الخطيب الشربيني

9

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وقال البيضاوي : تبعا للزمخشري : إذا كانت بمرأى منهم كقوله عليه الصلاة والسلام : « لا تراءى ناراهما » « 1 » أي لا تتقاربان بحيث تكون إحداهما بمرأى من الأخرى على المجاز . انتهى ، وهذا تأويل للمعتزلة بناء منهم على أن الرؤية مشروطة بالحياة بخلاف الأشاعرة فإنهم يجوزون رؤيتها حقيقة كتغيظها وزفيرها في قوله تعالى : سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً أي : غليانا كالغضبان إذ غلى صدره من الغضب وَزَفِيراً أي : صوتا شديدا إذ لا امتناع من أنها تكون رائية مغتاظة زافرة ، وأشار البيضاوي إلى ذلك بعد ما ذكر بقوله : هذا . وإن الحياة لما لم تكن مشروطة عندنا بالبينة أمكن أن يخلق الله فيها حياة فترى وتتغيظ وتزفر ، وقال الجلال المحلي : وسماع التغيظ رؤيته وعلمه انتهى . قال عبد الله بن عمر : تزفر جهنم يوم القيامة زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر لوجهه ، وقيل : إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضبا عل الكفار للانتقام منهم ، فنسب إليها على حذف مضاف . وَإِذا أُلْقُوا أي : طرحوا طرح إهانة مِنْها أي : النار مَكاناً ثم وصفه تعالى بقوله تعالى : ضَيِّقاً زيادة في فظاعتها ، قال ابن عباس : يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح مُقَرَّنِينَ أي : مصفدين زيادة قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم من الأغلال ، وقد قيل : الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة ، ولذلك وصف الله تعالى الجنة بأن عرضها السماوات والأرض ، وجاء في الأحاديث أن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا ، ولقد جمع الله تعالى على أهل النار أنواع الضيق والإرهاق حيث ألقاهم في مكان ضيق يتراصون فيه تراصا كما مر عن ابن عباس : أنه يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح ، وهو منقول أيضا عن ابن عمر ، وسئل النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن ذلك فقال : « والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط ، وهم مع ذلك الضيق مسلسلون مقرنون في السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم ويقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة في أرجلهم » « 2 » . تنبيه : مَكاناً منصوب على الظرف ، ومنها في محل نصب على الحال من مكانا ؛ لأنه في الأصل صفة له ، ومقرنين حال من مفعول أُلْقُوا ، وقرأ ابن كثير ضيقا بسكون الياء والباقون بكسر الياء مشددة دَعَوْا هُنالِكَ أي : في ذلك المكان البغيض البعيد عن الرفق ثُبُوراً قال ابن عباس : ويلا ، وقال الضحاك : هلاكا ، فيقولون : واثبوراه هذا حينك وزمانك ؛ لأنه لا منادم لهم غيره ، وليس يحضر أحد منهم سواه ، قال البغوي : وفي الحديث « إن أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه ، وذريته من خلفه وهو يقول : يا ثبوراه وهم ينادون : يا ثبورهم حتى يقفوا على النار » « 3 » فيقال لهم : لا تَدْعُوا الْيَوْمَ أي : أيها الكفار ثُبُوراً واحِداً ؛ لأنكم لا تموتون إذا حلت بكم أسباب العذاب والهلاك وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً أي : هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة ، أو ادعوا أدعية كثيرة ، وقال الكلبي : نزل هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبه .

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الجهاد باب 95 ، والنسائي في القسامة باب 27 . ( 2 ) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 5 / 64 . ( 3 ) أخرجه أحمد في المسند 3 / 152 ، 153 ، 154 ، 249 .