الخطيب الشربيني
597
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
ولما كان الكفر بالغيب سببا لعدم قبول الإيمان عند الشهادة قال تعالى : فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ أي : لم يصح ولم يقبل بوجه من الوجوه إِيمانُهُمْ أي : لا يتجدد لهم نفعه بعد ذلك لأنه إيمان الجاء واضطرار ، لا إيمان طواعية واختيار لَمَّا رَأَوْا وأظهر موضع الإضمار زيادة في الترهيب فقال تعالى شأنه : بَأْسَنا أي : عذابنا لامتناع قبول الإيمان حينئذ لأنه لا يتحقق ولا يتصور إلا مع الغيب ، وأما عند الشهادة فقد كشفت سريرته على أنه قد فاتت حقيقته وصورته ، ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه ، فإن قيل : أي : فرق بين قوله تعالى : فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ وبينه ، لو قيل فلم ينفعهم إيمانهم ؟ أجيب : بأنه من كان في نحو قوله تعالى : ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ [ مريم : 35 ] والمعنى فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم . فإن قيل : كيف ترادفت هذه الفاءات ؟ أجيب : بأن قوله تعالى : فَما أَغْنى عَنْهُمْ نتيجة قوله تعالى : كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وأما قوله تعالى : فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ فجار مجرى البيان والتفسير لقوله تعالى : فَما أَغْنى عَنْهُمْ كقولك رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء وقوله تعالى فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا تابع لقوله تعالى : فَلَمَّا جاءَتْهُمْ كأنه قال : فكفروا فلما رأوا بأسنا آمنوا فكذلك فلم يك ينفعهم إيمانهم تابع لإيمانهم لما رأوا بأس الله تعالى ، وقوله تعالى : سُنَّتَ اللَّهِ أي : الملك الأعظم ، يجوز انتصابها على المصدر المؤكد لمضمون الجملة أي : الذي فعله الله تعالى بهم سنة سابقة من الله تعالى ويجوز انتصابها على التحذير أي : احذروا سنة الله تعالى في المكذبين الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وتلك السنة أنهم إذا عاينوا العذاب آمنوا ولم ينفعهم إيمانهم . فائدة : رسمت سنة بتاء مجرورة ووقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالهاء ، والباقون بالتاء ، وأمال الكسائي الهاء في الوقف وَخَسِرَ أي : هلك أي : تحقق وتبين أنه خسر هُنالِكَ الْكافِرُونَ أي : العريقون في هذا الوصف فلا انفكاك بينهم وبين الكفر . تنبيه : هنالك في الأصل اسم مكان قيل : استعير هنا للزمان ولا حاجة له فالمكانية فيه ظاهرة ، وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من قرأ سورة المؤمن لم يبق روح نبي ولا صديق ولا شهيد ولا مؤمن إلا صلى عليه واستغفر له » « 1 » حديث موضوع . وعن ابن سيرين رأى رجل في المنام سبع جوار حسان في مكان واحد لم ير أحسن منهن فقال لهن : لمن أنتن فقلن لمن يقرأ آل حم .
--> ( 1 ) ذكره الزمخشري في الكشاف 4 / 188 .