الخطيب الشربيني

586

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

والأرض هو الله تعالى ويعلمون بالضرورة أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ، وكان من حقهم أن يقروا بأن القادر على خلق السماوات والأرض يكون قادرا على إعادة الإنسان الذي خلقه أولا فهذا برهان كلي في إفادة هذا المطلوب ، ثم إن هذا البرهان على قوته صار لا يعرفه أكثر الناس ، والمراد منه : الذين ينكرون الحشر والنشر فظهر بهذا المثال أن هؤلاء الكفار يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ولا حجة بل بمجرد الحسد والكبر والغضب . ثم لما بين تعالى أن الجدال المقرون بالكبر والحسد والجهل كيف يكون وإن الجدال بالحجة والبرهان كيف يكون نبه تعالى على الفرق بين البيانين بذكر مثال فقال تعالى : وَما يَسْتَوِي أي : بوجه من الوجوه من حيث البصر الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أي : وما يستوي المستدل والجاهل المقلد وَالَّذِينَ آمَنُوا أي : أوجدوا حقيقة الإيمان وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي : تحقيقا لإيمانهم وَلَا الْمُسِيءُ أي : وما يستوي المحسن والمسئ فلا زائدة للتوكيد لأنه لما طال الكلام بالصلة بعد قسم المؤمنين أعاد معه لا توكيدا ، والمراد بالأول : التفاوت بين العالم والجاهل ، وبالثاني : التفاوت بين الآتي بالأعمال الصالحة وبين الآتي بالأعمال السيئة الباطلة . ولما تقرر هذا على هذا النحو من الوضوح الذي لا مانع للإنسان من فهمه ورسوخه قال تعالى : قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ أي : يتعظ المجادلون وإن كانوا يعلمون أن العلم خير من الجهل وأن العمل الصالح خير من العمل الفاسد إلا أنه قليلا ما يتذكرون ، فبين في النوع الأول المعنى من الاعتقاد أنه علم أو جهل وفي النوع الثاني المعنى من العمل أنه عمل صالح أو فاسد . تنبيه : التقابل يأتي على ثلاث طرق ؛ إحداها : أن يجاور المناسب ما يناسبه كهذه الآية . والثانية : أن يتأخر المتقابلان كقوله تعالى : مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كالأعمى والأصم والبصير والسميع . الثالثة : أن يقدم مقابل الأول ويؤخر مقابل الآخر كقوله تعالى : وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ( 19 ) وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ [ فاطر : 19 - 20 ] كل ذلك تفنن في البلاغة ، وقدم الأعمى في نفي التساوي لمجيئه بعد صفة الذم في قوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ وقرأ الكوفيون بالتاء على تغليب المخاطب أو الالتفات للمذكورين بعد الإخبار عنهم ، أو أمر لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بالمخاطبة ، والباقون بياء الغيبة نظرا لقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ وهم الذين التفت إليهم في قراءة الخطاب . ولما قرر الدليل على إمكان وجود يوم القيامة أردفه بالإخبار عن وقوعها فقال تعالى : إِنَّ السَّاعَةَ أي : القيامة التي يجادل فيها المجادلون لَآتِيَةٌ أي : للحكم بالعدل بين المسئ والمحسن لأنه لا يسوغ في الحكمة عند أحد من الخلق أن يساوي بين محسن عبيده ومسيئهم لا رَيْبَ أي : لا شك فِيها أي : في إتيانها . ولما حصل الحال في أمرها إلى حد لا خفاء به أصلا نفى الإيمان دون العلم فقال تعالى : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ أي : لا يصدقون بها وما ذاك إلا لعناد بعضهم ولقصور نظر الباقين على الحس . تنبيه : يأتي قبل قيام الساعة فتن أعظمها فتنة المسيح الدجال فعن هشام بن عامر قال : سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « ما بين خلق آدم عليه السّلام إلى قيام الساعة أكبر من خلق الدجال » « 1 » . معناه أكبر

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الفتن حديث 2946 ، وأحمد في المسند 4 / 19 ، والحاكم في المستدرك 4 / 528 .