الخطيب الشربيني

549

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وإفرادها وتنكيرها كاف في الوعيد لأن كل أحد يجوز أن يكون هو المراد يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ قال الحسن : قصرت في طاعة الله ، وقال مجاهد : في أمر الله ، وقال سعيد بن جبير : في حق الله وقيل : ضيعت في ذات الله ، وقيل : معناه قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله تعالى والعرب تسمي الجانب جنبا ، قال في « الكشاف » : هذا من باب الكناية لأنك إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه فقد أثبته فيه ألا ترى إلى قول الشاعر « 1 » : إن السماحة والمروءة والندى * في قبة ضربت على ابن الحشرج أي : فإنه لم يصرح بثبوت هذه الصفات المذكورة لابن الحشرج بل كنى عن ذلك في قبة مضروبة عليه فأفاد اثباتها له ، والقبة تكون فوق الخيمة تتخذها الرؤساء ، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة والدوري عن أبي عمرو بين بين وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح وَإِنْ أي : والحال إني كُنْتُ أي : كان ذلك في طبعي لَمِنَ السَّاخِرِينَ أي : المستهزئين المتكبرين المنزلين أنفسهم في غير منزلتها وذلك أنه ما كفاني المعصية حتى كنت أسخر من أهل الطاعة أي : تقول هذا لعله يقبل منها ويعفى عنها على عادة المعترفين في وقت الشدائد لعلهم يعاودون إلى أجمل العوائد . الثاني من الكلمات التي حكاها الله تعالى عنهم بعد نزول العذاب عليهم : ما ذكره الله تعالى بقوله سبحانه : [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 56 إلى 67 ] أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ( 56 ) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 57 ) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 58 ) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 59 ) وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ ( 60 ) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 61 ) اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 62 ) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 63 ) قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ ( 64 ) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 65 ) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 66 ) وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 67 ) . أَوْ تَقُولَ أي : تلك النفس المفرطة لَوْ أَنَّ اللَّهَ أي : الذي له القدرة الكاملة والعلم الشامل هَدانِي أي : لبيان الطريق لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أي : الذين لا يقدمون على فعل إلا ما يدلهم عليه دليل . الثالث من الكلمات ما ذكره الله تعالى بقوله سبحانه : أَوْ تَقُولَ أي : تلك النفس المفرطة حِينَ تَرَى الْعَذابَ أي : الذي واجهها عيانا لَوْ أَنَّ أي : يا ليت لِي كَرَّةً أي : رجعة إلى دار العمل فَأَكُونَ أي : يتسبب عن رجوعي إليها أن أكون مِنَ الْمُحْسِنِينَ أي : العاملين بالإحسان الذي دعا إليه القرآن . تنبيه : في نصب فأكون وجهان أحدهما : عطفه على كرة فإنها مصدر فعطف مصدر مؤول

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في دلائل الإعجاز للجرجاني 1 / 236 .