الخطيب الشربيني
550
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
على مصدر مصرح به كقولها « 1 » : للبس عباءة وتقر عيني * أحب إلي من لبس الشفوف والثاني : أنه منصوب على جواب التمني المفهوم من قوله تعالى : لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً والفرق بين الوجهين أن الأول : يكون فيه الكون متمنى ويجوز أن تضمر أن وأن تظهر ، والثاني : يكون فيه الكون مترتبا على حصول المتمنى لا متمنى ويجب أن تضمر أن . ثم أجاب الله تعالى هذا القائل بقوله سبحانه : بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي أي : القرآن وهي سبب الهداية فَكَذَّبْتَ بِها أي : قلت ليست من عند الله وَاسْتَكْبَرْتَ أي : تكبرت عن الإيمان بها وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ . فإن قيل : هلا قرن الجواب بما هو جواب له وهو قوله : لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي [ الزمر : 57 ] ولم يفصل بينهما ؟ أجيب : بأنه لا يخلو إما أن يقدم على أخرى القرائن الثلاث فيفرق بينهن وإما أن تؤخر القرينة الوسطى ، فلم يحسن الأول لما فيه من تبتير النظم بالجمع بين القرائن ، وأما الثاني فيه من نقض الترتيب وهو التحسر على التفريط في الطاعة ثم التعلل بفقد الهداية ، ثم تمنى الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب ، فإن قيل : كيف صح أن تقع بلى جوابا لغير منفي ؟ أجيب : بأن قوله لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي بمعنى ما هديت . وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أي : الذي لا يصح في الحكمة تركه تَرَى أي : أيها المحسن الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ أي : الحائز لجميع صفات الكمال بنسبة الشريك والولد إليه ، وقال الحسن : هم الذين يقولون إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل ، قال البقاعي : وكأنه عنى من المعتزلة الذين اعتزلوا مجلسه وابتدعوا قولهم إنهم يخلقون أفعالهم قال : ويدخل فيه من تكلم في الدين بجهل وكل من كذب وهو يعلم أنه كاذب في أي شيء كان ، فإنه من حيث إن فعله فعل من يظن أن الله تعالى لا يعلم كذبه أي : ولا يقدر على جزائه كأنه كذب على الله وقوله تعالى : وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من الموصول لأن الرؤية بصرية وقيل : في محل نصب مفعولا ثانيا لأن الرؤية قلبية ، ورد بأن تعلق الرؤية البصرية بالأجسام وألوانها أظهر من تعلق القلبية بهما ، وذكر أن هذا السواد مخالف لسائر أنواع السواد أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً أي : مأوى لِلْمُتَكَبِّرِينَ أي : الذين تكبروا على اتباع أمر الله تعالى وهو تقرير لأنهم يرونه كذلك . ولما ذكر الله تعالى الذين أشقاهم أتبعهم حال الذين أسعدهم بقوله تعالى : وَيُنَجِّي اللَّهُ أي : يفعل بما له من صفات الكمال في نجاتهم فعل المبالغ في ذلك الَّذِينَ اتَّقَوْا أي : بالغوا في وقاية أنفسهم من غضبه فكما وقاهم في الدنيا من المخالفات حماهم هنا من العقوبات بِمَفازَتِهِمْ أي : بسبب فلاحهم لأن العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة ، ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه مفازة لأنه سببها ، وقرأ حمزة والكسائي وشعبة بألف بعد الزاي جمعا
--> ( 1 ) البيت من الوافر ، وهو لميسون بنت بحدل في خزانة الأدب 8 / 503 ، والدرر 4 / 90 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 273 ، وشرح التصريح 2 / 244 ، وشرح شذور الذهب ص 405 ، ولسان العرب ( مسن ) ، والمحتسب 1 / 326 ، ومغني اللبيب 1 / 267 .