الخطيب الشربيني

548

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

ائت قرية كذا فأدركه الموت فنأى بصدره نحوها فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تقربي وإلى هذه أن تباعدي وقال : قيسوا ما بينهما فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له » « 1 » . وفي رواية فقال له : إني قتلت تسعة وتسعين نفسا فهل لي من توبة فقال : لا فقتله فكمل مائة ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على عالم فقال : « إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة فقال : نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا إلى أن قال : فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة » . وعن ابن عمر قال : كنا معشر أصحاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم نرى أو نقول ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ [ محمد : 33 ] فلما نزلت هذه الآية قلنا : ما هذا الذي يبطل أعمالنا فقيل لنا : الكبائر والفواحش فكنا إذا رأينا من أصاب منها شيئا خفنا عليه ، ومن لم يصب منها شيئا رجونا له فأنزل الله تعالى : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر . ولما كان التقدير وأقلعوا عن ذنوبكم فإنها قاطعة عن الخير مبعدة عن الكمال عطف عليه استعظاما قوله تعالى : وَأَنِيبُوا أي : ارجعوا بكلياتكم وكلوا حوائجكم وأسندوا أموركم واجعلوا طريقكم إِلى رَبِّكُمْ أي : الذي لم تروا إحسانا إلا وهو منه وَأَسْلِمُوا أي : وأخلصوا لَهُ أعمالكم مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ أي : وأنتم صاغرون الْعَذابُ أي : القاطع لكل عذوبة ، المجرّع لكل مرارة وصعوبة ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ أي : لا يتجدد لكم نوع نصر أبدا إن لم تتوبوا . وَاتَّبِعُوا أي : عالجوا أنفسكم وكلفوها أن تتبع أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ أي : على سبيل العدل كالإحسان الذي هو أعلى من العفو الذي هو فوق الانتقام باتباع هذا القرآن الذي هو أحسن ما نزل من كتب الله تعالى ، واتباع أحاسن ما فيه فتصل من قطعك وتعطي من حرمك وتحسن إلى من ظلمك ، هذا في حق الخلائق ومثله في عبادة الخالق بأن تكون كأنك تراه الذي هو أعلى من استحضار أنه يراك الذي هو أعلى من أدائها مع الغفلة عن ذلك . ولما كان هذا شديدا على النفس رغب فيه بقوله تعالى بمظهر صفة الإحسان موضع الإضمار : مِنْ رَبِّكُمْ أي : الذي لم يزل يحسن إليكم وأنتم تبارزونه بالعظائم . وقال الحسن رضي الله عنه : معنى الآية الزموا طاعته واجتنبوا معصيته فإن في القرآن ذكر القبيح لتجتنبه ، وذكر الأدون لئلا ترغب فيه ، وذكر الأحسن لتؤثره . وقيل : الأحسن الناسخ دون المنسوخ لقوله تعالى : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [ البقرة : 106 ] وقيل : العزائم دون الرخص وقوله تعالى : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أي : ليس عندكم شعور بإتيانه بوجه من الوجوه فيه تهديد وتخويف . ولما خوفهم الله تعالى بهذا العذاب بين أنهم بتقدير نزوله عليهم ماذا يقولون ، فحكى الله تعالى عنهم ثلاثة أنواع من الكلام . الأول : ما ذكره بقوله تعالى : أَنْ أي : كراهة أن تَقُولَ نَفْسٌ أي : عند وقوع العذاب

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء حديث 3470 ، ومسلم في التوبة حديث 2766 ، وابن ماجة في الديات حديث 2626 .