الخطيب الشربيني
417
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصلي ثم ينام » « 1 » ، فإن قيل : الكتابة قبل الإحياء فكيف أخر في الذكر حيث قال تعالى نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ولم يقل نكتب ما قدموا ونحييهم ؟ أجيب : بأن الكتابة معظمة لأمر الإحياء ؛ لأن الإحياء إن لم يكن للحساب لا يعظم ، والكتابة في نفسها إن لم يكن هناك إحياء ولا إعادة لا يبقى لها أثر أصلا ، والإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة لأمره فلهذا قدم الإحياء ؛ لأنه تعالى قال : إِنَّا نَحْنُ وذلك يفيد العظمة والجبروت ، والإحياء العظيم يختص بالله تعالى والكتابة دونه تقرير التعريف الأمر العظيم وذلك مما يعظم ذلك الأمر العظيم . ولما كان ذلك الأمر ربما أوهم الاقتصاد على ما ذكر من أحوال الآدميين دفع ذلك بقوله تعالى : وَكُلَّ شَيْءٍ من أمور الدنيا والآخرة أَحْصَيْناهُ أي : قبل إيجاده بعلمنا القديم إحصاء وحفظا وكتبناه فِي إِمامٍ وهو اللوح المحفوظ مُبِينٍ أي : لا يخفى فيه شيء من جميع الأحوال والأقوال فهو تعميم بعد تخصيص ؛ لأنه تعالى يكتب ما قدموا وآثارهم وليست الكتابة مقتصرة عليه بل كل شيء محصى في إمام مبين ، وهذا يفيد أن شيئا من الأقوال والأفعال لا يعزب عن علم الله تعالى ولا يفوته كقوله تعالى وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ( 52 ) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [ القمر : 52 - 53 ] يعني ليس ما في الزبر منحصرا فيما فعلوه بل كل شيء مكتوب لا يبدل ، فإن القلم جف بما هو كائن فلما قال تعالى نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا بين أن قبل ذلك كتابة أخرى ، فإن الله تعالى كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا وكذا ، ثم إذا فعلوا كتب عليهم أنهم فعلوه ، قيل : إن ذلك مؤكد لمعنى قوله تعالى وَنَكْتُبُ ؛ لأن من يكتب شيئا في أوراق ويرميها قد لا يجدها فكأنه لم يكتب فقال تعالى : نكتب ونحفظ ذلك في إمام مبين وهو كقوله تعالى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى [ طه : 52 ] . وقوله سبحانه وتعالى : وَاضْرِبْ بمعنى واجعل لَهُمْ وقوله تعالى مَثَلًا مفعول أول ، وقوله تعالى : أَصْحابَ مفعول ثان والأصل : واضرب لهم مثلا مثل أصحاب الْقَرْيَةِ فترك المثل وأقيم الأصحاب مقامه في الإعراب كقوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] قال الزمخشري : وقيل لا حاجة إلى الإضمار بل المعنى : اجعل أصحاب القرية لهم مثلا ، أو مثل أصحاب القرية بهم قال المفسرون : المراد بالقرية أنطاكية وقوله تعالى إِذْ جاءَهَا إلخ بدل اشتمال من أصحاب القرية أي : إذ جاء أهلها الْمُرْسَلُونَ أي : رسل عيسى عليه السّلام وإضافة إلى نفسه في قوله تعالى : إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ لأنه فعل رسوله صلّى اللّه عليه وسلم إِذْ أَرْسَلْنا إلخ بدل من إذ الأولى ، وفي هذا لطيفة وهي أن في القصة أن الرسل كانوا مبعوثين من جهة عيسى عليه السّلام أرسلهم إلى أنطاكية فقال تعالى : إرسال عيسى عليه السّلام هو إرسالنا ورسول رسول الله بإذن الله رسول الله فلا تفهم يا محمد أن أولئك كانوا رسل الرسول وإنما هو رسل الله تعالى ، فتكذيبهم كتكذيبك فتتم التسلية بقوله تعالى : إِذْ أَرْسَلْنا ويؤيد هذا مسألة فقهية وهي أن كل وكيل للوكيل بإذن الموكل عند الإطلاق وكيل الموكل لا وكيل الوكيل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه ، وينعزل إذا عزله الموكل الأول .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأذان حديث 651 ، ومسلم في المساجد حديث 662 .