الخطيب الشربيني

418

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

تنبيه : في بعث الاثنين حكمة بالغة وهي أنهما كانا مبعوثين من جهة عيسى عليه السّلام بإذن الله تعالى ، فكان عليهما إنهاء الأمر إليه والإتيان بما أمر الله تعالى ، والله سبحانه عالم بكل شيء لا يحتاج إلى شاهد يشهد عنده ، وأما عيسى عليه السّلام فبشر فأمر الله تعالى بإرسال اثنين ليكون قولهما على قومهما عند عيسى عليه السّلام حجة ثابتة ، وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء والميم في الوصل ، وحمزة والكسائي بضمهما ، والباقون بكسر الهاء وضم الميم وأما الوقف فحمزة بضم الهاء ، والباقون بكسرها ، والجميع في الوقف بسكون الميم . فَكَذَّبُوهُما أي : مع ما لهما من الآيات ؛ لأن من المعلوم أنا ما أرسلنا رسولا إلا كان معه من الآيات ما مثله آمن عليه البشر سواء أكان عنا من غير واسطة ، أو كان بواسطة رسولنا كما كان للطفيل بن عمرو الدوسي ذي النورين لما ذهب إلى قومه وسأل النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن تكون له آية فكانت نورا في جبهته ، ثم سأل أن تكون في غير وجهه فكانت في سوطه . ولما كان المتظافر على الشيء أقوى لشأنه وأعون على ما يراد منه تسبب عن ذلك قوله تعالى فَعَزَّزْنا أي : قوينا بِثالِثٍ يقال : عزز المطر الأرض أي : قواها ولبدها ويقال لتلك الأرض العزاز وكذا كل أرض صلبة ، وتعزز لحم الناقة أي : صلب وقوي والمفعول محذوف أي : فقويناهما بثالث ، أو فغلبناهما بثالث ؛ لأن المقصود من البعثة نصرة الحق لا نصرتهما ، والكل كانوا مقوين للدين بالبرهان قال وهب : اسم المرسلين يحيى ويونس ، واسم الثالث شمعون ، وقال كعب : الرسولان صادق ومصدوق والثالث : سلوم ، وقرأ شعبة بتخفيف الزاي الأولى ، والباقون بتشديدها والزاي الثانية ساكنة بلا خلاف . فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ وذلك أنهم كانوا عبدة أصنام فأرسل إليهم عيسى عليه السّلام اثنين فلما قربا من المدينة رأيا حبيبا النجار يرعى غنما فسلما عليه فقال : من أنتما ؟ فقالا : رسولا عيسى عليه السّلام يدعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن فقال : أمعكما آية ؟ قالا : نعم نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله تعالى فقال : إن لي ابنا مريضا منذ سنين قالا : فانطلق بنا ننظر حاله فأتى بهما إلى منزله فمسحاه فقام في الوقت بإذن الله تعالى صحيحا ففشا الخبر في المدينة وآمن حبيب النجار ، وشفى الله تعالى على أيديهما كثيرا من المرضى وكان لهم ملك اسمه أنطيخس وكان من ملوك الروم فانتهى الخبر إليه فدعاهما فقال لهما : من أنتما ؟ فقالا : رسولا عيسى عليه السّلام قال : وفيما جئتما ؟ قالا : ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر قال : أولنا إله دون آلهتنا ؟ قالا : نعم من أوجدك وآلهتك فقال : قوما حتى أنظر في أمركما وأمر بحبسهما وجلد كل واحد منهما مائة جلدة ، فلما كذبا وضربا بعث عيسى عليه السّلام رأس الحواريين شمعون الصفا على أثرها لينصرهما ، فدخل البلد متنكرا وجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به وأوصلوا خبره إلى الملك فدعاه فرضي عشرته وأنس به وأكرمه ، ثم قال له ذات يوم : أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعوا إلى غير دينك فهل كلمتهما وسمعت قولهما ؟ فقال الملك : حال الغضب بيني وبين ذلك قال : فإن رأى الملك دعاهما حتى نطلع على ما عندهما فدعاهما الملك فقال لهما شمعون : من أرسلكما إلى هاهنا ؟ قالا : الله تعالى الذي خلق كل شيء وليس له شريك فقال لهما شمعون : فصفاه وأوجزا قالا : يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد قال لهما شمعون : وما آيتكما ؟ قالا : ما يتمنى الملك فدعا بغلام مطموس العينين موضع عينيه كالجبهة فما زالا يدعوان ربهما حتى انشق موضع البصر فأخذا