الخطيب الشربيني

416

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

بفتح السين في الموضعين وهو لغة فيه ، والباقون بالضم . ولما منعوا بذلك حس البصر أخبر عن حس السمع بقوله تعالى : وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أي : مستو ومعتدل غاية الاعتدال أَ أَنْذَرْتَهُمْ أي : بما أخبرناك به من الزواجر المانعة للكفر أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ؛ لأنهم ممن علم الله تعالى أنهم لا يؤمنون ، وقد سبق أيضا في البقرة تفسيره والكلام على الهمزتين ، ثم بين الله تعالى الأقل الناجي ؛ لأنه المقصود بالذات بقوله تعالى : إِنَّما تُنْذِرُ أي : إنذارا ينفع المنذر فتتأثر عنه النجاة مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ أي : القرآن بالتأمل فيه والعمل به وَخَشِيَ الرَّحْمنَ أي : خاف عقابه بِالْغَيْبِ أي : قبل موته ومعاينة أهواله أو في سريرته ولا يغتر برحمته فإنه تعالى كما هو رحمن رحيم منتقم جبار فَبَشِّرْهُ أي : بسبب خشيته بالغيب بِمَغْفِرَةٍ أي : لذنوبه وإن عظمت وتكررت . ولما حصل العلم بمحو الذنوب عينها وأثرها قال تعالى وَأَجْرٍ كَرِيمٍ أي : هو الجنة فإنها دار لا كدر فيها بوجه ، والمقصود منها هو النظر لوجهه الكريم ، اللهم متعنا ومحبينا بالنظر إلى وجهك الكريم . ولما ذكر تعالى خشية الرحمن بالغيب ذكر ما يؤكده وهو إحياء الموتى بقوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ أي : بما لنا من العظمة التي لا تضاهى نُحْيِ الْمَوْتى أي : كلهم حسّا بالبعث ، ومعنى بالإنقاذ إذا أردنا من ظلمة الجهل وَنَكْتُبُ أي : جملة عند نفخ الروح وشيئا فشيئا بعده فلا يتعدى التفصيل شيئا في ذلك الإجمال ما قَدَّمُوا أي : وأخروا من جميع أفعالهم وأقوالهم وأحوالهم من صالح وغيره فاكتفى بأحدهما لدلالة الآخر عليه كقوله تعالى سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] أي : والبرد . وقيل المعنى : ما أسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة كقوله تعالى بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [ الجمعة : 7 ] أي : بما قدموا في الوجود وأوجدوه ، وقيل : نكتب نياتهم فإنها قبل الأعمال وقوله تعالى وَآثارَهُمْ فيه وجوه : أحدها : وهو مبني على التفسير الأخير ، وهو كتب النيات المراد بالآثار : الأعمال . ثانيها : ما سنوا من سنة حسنة وسيئة ، فالحسنة كالكتب المصنفة والقناطر المبنية ، والسيئة كالظلامات المستمرة التي وضعتها الظلمة والكتب المضلة قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها من بعده كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها من بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا » « 1 » . ثالثها : خطاهم إلى المساجد لما روى أبو سعيد الخدري قال : شكت بنو سلمة بعد منازلهم عن المسجد فأنزل الله تعالى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن الله يكتب خطواتكم ومشيكم ويثيبكم عليها » « 2 » وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم مشيا والذي ينتظر

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الزكاة حديث 1017 ، والترمذي في العلم حديث 2675 ، والنسائي في الزكاة حديث 2554 . ( 2 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي .