الخطيب الشربيني
404
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
تنبيه : ذكر الله تعالى عن هذه الثلاثة ثلاثة أمور كلها تفيد الكرامة ، الأول : قولهم الْحَمْدُ لِلَّهِ فإن الحامد يثاب . الثاني : قولهم رَبَّنا فإن الله تعالى إذا نودي بهذا اللفظ استجاب للمنادي ما لم يكن يطلب ما لا يجوز . الثالث : قولهم لَغَفُورٌ شَكُورٌ والغفور إشارة إلى ما غفر لهم في الآخرة بحمدهم في الدنيا ، والشكور إشارة إلى ما يعطيهم الله ويزيدهم بسبب حمدهم في الآخرة . وقولهم : الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ أي : الإقامة إشارة إلى أن الدنيا منزلة ينزلها المكلف ويرتحل منها إلى منزلة القبور ، ومن القبور إلى منزلة العرصة التي فيها الجمع ومنها التفريق إلى دار البقاء ، إما إلى الجنة ، وإما إلى النار أجارنا الله تعالى ومحبينا منها . وقولهم مِنْ فَضْلِهِ أي : بلا عمل منا فإن حسناتنا إنما كانت منا منه تعالى إذ لا واجب عليه ، متعلق بأحلنا ، ومن إما للعلة ، وإما لابتداء الغاية . وقولهم لا يَمَسُّنا فِيها أي : في وقت من الأوقات نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ حال من مفعول أحلنا الأول أو الثاني ، لأن الجملة مشتملة على ضمير كل منهما ، وإن كان الحال من الأول أظهر ، والنصب التعب والمشقة ، واللغوب الفتور الناشئ عنه ، وعلى هذا فيقال : إذا انتفى السبب انتفى المسبب ، فإذا قيل : لم آكل فيعلم التغاء الشبع فلا حاجة إلى قوله ثانيا فلم أشبع بخلاف العكس ، ألا ترى أنه يجوز لم أشبع ولم آكل والآية الكريمة على ما تقرر من نفي السبب ثم نفي المسبب فما فائدته ؟ أجيب : بأن النصب هو تعب البدن واللغوب هو تعب النفس ، وقيل : اللغوب الوجع وحينئذ فالسؤال زائل ، وأجاب الرازي بجواب قال ابن عادل : ليس بذاك فتركته . ولما بين تعالى ما هم فيه من النعمة في دار السرور التي قال فيها القائل « 1 » : علياء لا تنزل الأحزان ساحتها * لو مسها حجر مسته سراء بين ما لأعدائهم من النقمة زيادة في سرورهم بما قاسوا في الدنيا من تكبرهم عليهم وفخارهم بقوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أي : ستروا ما دلت عليه عقولهم من شموس الآيات وأنوار الدلالات لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ أي : بما تجهموا أولياء الله الدعاة إليه لا يُقْضى أي : يحكم عَلَيْهِمْ أي : بموت ثان فَيَمُوتُوا أي : فيتسبب عن القضاء موتهم فيستريحوا كقوله تعالى وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ [ الزخرف : 77 ] أي : بالموت فنستريح بل العذاب دائم . تنبيه : نصب فيموتوا بإضمار أن . ولما كانت الشدائد في الدنيا تنفرج وإن طال أمدها قال تعالى : وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وأعرق في النفي بقوله تعالى : مِنْ عَذابِها أي : جهنم . تنبيه : في الآية الأولى أن العذاب في الدنيا إن دام قتل وإن لم يقتل يعتاده البدن ويصير مزاجا فاسدا لا يحس به المعذب فقال : عذاب نار الآخرة ليس كعذاب الدنيا إما أن يفنى وإما أن يألفه البدن بل هو في كل زمان شديد والمعذب فيه دائم . الثانية : وصف العذاب بأنه لا يفتر ولا ينقطع ولا بأقوى الأسباب وهو الموت حتى يتمنوه ولا يجابون كما قال تعالى وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ [ الزخرف : 77 ] أي : بالموت .
--> ( 1 ) البيت من البسيط ، وهو لأبي نواس في ديوانه 1 / 22 ، وخزانة الأدب 1 / 359 .