الخطيب الشربيني

405

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الثالثة ، ذكر في المعذبين الأشقياء أنه لا ينقضي عذابهم ولم يقل تعالى : نزيدهم عذابا وفي المثابين قال تعالى وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [ النور : 38 ] وقوله تعالى كَذلِكَ إما مرفوع المحل أي : الأمر كذلك وإما منصوبه أي : مثل ذلك الجزاء العظيم نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ أي : كافر بالله تعالى وبرسوله ، وقرأ أبو عمرو بياء مضمومة وفتح الزاي ورفع كل ، والباقون بنون مفتوحة وكسر الزاي ونصب كل . وَهُمْ أي : فعل ذلك بهم والحال أنهم يَصْطَرِخُونَ فِيها أي : يوجدون الصراخ فيها بغاية ما يقدرون عليه من الجهد في الصياح من البكاء والتوجع يقولون رَبَّنا أي : أيها المحسن إلينا أَخْرِجْنا أي : من النار نَعْمَلْ صالِحاً ثم فسروه وبينوه بقولهم غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ في الدنيا ، فإن قيل : هلا اكتفى بقولهم نَعْمَلْ صالِحاً كما اكتفى به في قولهم فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً [ السجدة : 12 ] وما فائدة زيادة غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ على أنه يوهم أنهم يعملون صالحا آخر غير الصالح الذي عملوه ؟ أجيب : بأن فائدته زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به وأما الوهم فزائل بظهور حالهم في الكفر وظهور المعاصي ، ولأنهم كانوا يحسبون أنهم على سيرة صالحة كما قال تعالى وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [ الكهف : 104 ] فقالوا : أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نحسبه صالحا فنعمله ، فيقال لهم توبيخا وتقريعا : أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ أي : نطل أعماركم مع إعطائنا لكم العقول ولم نعاجلكم بالأخذ . ما أي : زمانا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ قال عطاء وقتادة والكلبي : ثماني عشرة سنة وقال الحسن : أربعون سنة وقال ابن عباس : ستون سنة ، وروي ذلك عن علي ، وروى البزار أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « العمر الذي أعذر الله تعالى فيه إلى ابن آدم ستون سنة » « 1 » وروى البخاري أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « من عمرّه الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر » « 2 » وروى الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين » « 3 » وأقلهم من يجوز ذلك . وقوله تعالى : وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ عطف على أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ لأنه في معنى قد عمرناكم كقوله أَ لَمْ نُرَبِّكَ [ الشعراء : 18 ] ثم قال وَلَبِثْتَ وقال تعالى أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [ الشرح : 1 ] ثم قال تعالى وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ [ الشرح : 2 ] إذ هما في معنى ربيناك وشرحنا ، واختلف في النذير فقال الأكثرون : هو محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وقيل : القرآن ، وقال عكرمة وسفيان بن عيينة ووكيع : هو الشيب ، والمعنى : أو لم نعمركم حتى شبتم ويقال : الشيب نذير الموت ، وفي الأثر ما من شعرة تبيض إلا قالت لأختها : استعدي فقد قرب الموت . ولما تسبب عن ذلك أن عذابهم لا ينفك قال تعالى : فَذُوقُوا أي : ما أعددناه لكم من العذاب دائما أبدا فَما لِلظَّالِمِينَ أي : الذين وضعوا أعمالهم وأقوالهم في غير موضعها مَنْ

--> ( 1 ) أخرجه ابن كثير في تفسيره 6 / 540 ، وابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 139 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 417 ، والبيهقي في السنن الكبرى 3 / 370 ، والسيوطي في الدر المنثور 5 / 254 ، والطبري في تفسيره 22 / 93 ، والقرطبي في تفسيره 6 / 63 ، وابن كثير في تفسيره 6 / 540 . ( 3 ) أخرجه الترمذي في الدعوات حديث 3550 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4236 ، والبيهقي في السنن الكبرى 3 / 370 ، والحاكم في المستدرك 2 / 427 .