الخطيب الشربيني

378

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

تنبيه : في تكرير الفعل وهو قال : والتصريح بذكر الكفرة وما في لا من الذين والحق من الإشارة إلى القائلين والمقول فيه ، وما في لما من المفاجأة إلى البت بهذا القول إنكار عظيم للقول وتعجيب بليغ منه . ولما بارزوا بهذا القول من غير أثارة من علم ولا خبر من سمع بين ذلك بقوله تعالى : وَما أي : قالوا ذلك والحال أنا ما آتَيْناهُمْ أي : هؤلاء العرب مِنْ كُتُبٍ أصلا لأنهم لم ينزل عليهم قط قبل القرآن كتاب ، وأتى بصيغة الجمع مع تأكيد النفي قبل كتابك الجامع يَدْرُسُونَها أي : يجددون دراستها كل حين فيها دليل على صحة الإشراك وَما أَرْسَلْنا أي : إرسالا لا شبهة فيه لمناسبته لما لنا من العظمة إِلَيْهِمْ أي : خاصة بمعنى أن ذلك الرسول مأمور بهم بأعيانهم فهم مقصودون بالذات لا أنهم داخلون في عموم أو مقصودون من باب الأمر بالمعروف وفي جميع الزمان الذي قَبْلَكَ أي : قبل رسالتك الجامعة لكل رسالة مِنْ نَذِيرٍ أي : ليكون عندهم قول منه يدعوهم إلى الإشراك أو ينذرهم على تركه وهذا في غاية التجهيل لهم والتسفيه لرأيهم . ثم هددهم بقوله تعالى : وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي : من قوم نوح ومن بعدهم بادروا إلى ما بادر إليه هؤلاء من التكذيب ، لأن التكذيب كان في طباعهم لما عندهم من الجلافة والكبر وَما بَلَغُوا أي : هؤلاء مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ أي : عشرا صغيرا مما آتينا أولئك من القوة في الأبدان والأموال والمكنة في كل شيء من العقول وطول الأعمار والخلو من الشواغل فَكَذَّبُوا أي : بسبب ما طبعوا عليه من العناد رُسُلِي إليهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أي : إنكاري على المكذبين لرسلي بالعقوبة والإهلاك أي : هو واقع موقعه فليحذر هؤلاء من مثله ولا تكرير في كذب لأن الأول للتكثير أي : فعلوا التكذيب كثيرا فكان سببا لتكذيب الرسل والثاني : للتكذيب أو الأول : مطلق والثاني : مقيد ولذلك عطف عليه . قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ أي : أرشدكم وأنصح لكم بِواحِدَةٍ أي : بخصلة واحدة هي أَنْ تَقُومُوا أي : توجهوا نفوسكم إلى تعرف الحق وعبر بالقيام إشارة إلى الاجتهاد لِلَّهِ أي : الذي لا أعظم منه على وجه الإخلاص واستحضار ما له من العظمة بما له لديكم من الإحسان لا لإرادة المغالبة حال كونكم مَثْنى أي : اثنين اثنين قال البقاعي : وقدمه إشارة إلى أن أغلب الناس ناقص العقل وَفُرادى أي : واحدا واحدا من وثق بنفسه في رصانة عقله وإصابة رأيه قام وحده ليكون أصفى لسره وأعون على خلوص فكره ، ومن خاف عليها ضم إليه آخر ليذكره إذا نسي ويقومه إذا زاغ ، ولم يذكر غيرهما من الأقسام لأن الازدحام يشوش الخواطر ويخلط القول . ولما كان ما طلب منهم هذا لأجله عظيما جديرا بأن يهتم له هذا الاهتمام أشار إليه بأداة التراخي بقوله تعالى : ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا أي : في أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلم وما جاء به لتعلموا حقيته ما بِصاحِبِكُمْ أي : رسولكم الذي أرسل إليكم وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلم مِنْ جِنَّةٍ أي : جنون يحمله على ذلك أَنْ أي : ما هُوَ أي : المحدث عنه بعينه إِلَّا نَذِيرٌ أي : خالص إنذاره لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ أي : قبل حلول عَذابٍ شَدِيدٍ أي : في الآخرة إن عصيتموه ، روى البخاري عن ابن عباس أنه قال : « صعد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم الصفا ذات يوم فقال : يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش فقالوا : ما لك فقال : أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني قالوا : بلى قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب : تبا لك ألهذا جمعتنا فأنزل الله تعالى