الخطيب الشربيني

379

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ « 1 » [ المسد : 1 ] . ولما انتفى عنه بهذا ما تخيلوا به بقي إمكان أن يكون لغرض أمر دنيوي فنفاه بقوله تعالى : قُلْ أي : لهم يا أشرف الخلق ما أي : مهما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ أي : على دعائي لكم من الإنذار والتبليغ فَهُوَ لَكُمْ أي : لا أريد منه شيئا وهو كناية عن أني لا أسألكم على دعائي لكم إلى الله تعالى أجرا أصلا بوجه من الوجوه فإذا ثبت أن الدعاء ليس لغرض دنيوي ، وأن الداعي أرجح الناس عقلا ثبت أن الذي حمله على تعريض نفسه لتلك الأخطار العظيمة إنما هو أمر الله تعالى الذي له الأمر كله إِنْ أي : ما أَجْرِيَ أي : ثوابي إِلَّا عَلَى اللَّهِ أي : الذي لا أعظم منه فلا ينبغي لذي همة أن يطلب شيئا إلا من عنده وَهُوَ أي : والحال أنه عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أي : حفيظ مهيمن بليغ العلم بأحوالي فيعلم صدقي وخلوص نيتي ، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص أجري في الوصل بفتح الياء ، والباقون بالسكون . قُلْ أي : لمن أنكر التوحيد والرسالة والحشر إِنَّ رَبِّي أي : المحسن إليّ بأنواع الإحسان يَقْذِفُ بِالْحَقِّ أي : يلقيه إلى أنبيائه أو يرمي به الباطل إلى أقطار الآفاق فيكون وعدا بإظهار الإسلام وإفشائه عَلَّامُ الْغُيُوبِ أي : ما غاب عن خلقه في السماوات والأرض . تنبيه : في رفع علام أوجه : أظهرها : أنه خبر ثان لأن ، أو خبر مبتدأ مضمر ، أو بدل من الضمير في يقذف وقال الزمخشري : رفع محمول على محل أن واسمها أو على المستكن في يقذف يعني بقوله محمول على محل إن واسمها النعت إلا أن ذلك ليس مذهب البصريين لأنهم لم يعتبروا المحل إلا في العطف بالحرف بشروط عند بعضهم ، ويريد بالحمل على الضمير في يقذف أنه بدل منه لا أنه نعت له لأن ذلك انفرد به الكسائي ، وقرأ حمزة وشعبة بكسر الغين والباقون بالضم . قُلْ لهؤلاء جاءَ الْحَقُّ أي : الإسلام وقيل : القرآن وقيل : كل ما ظهر على لسان النبي صلّى اللّه عليه وسلم وقيل : المعجزات الدالة على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم وقيل : المراد من جاء الحق أي : ظهر الحق لأن كل ما جاء فقد ظهر وأكد تكذيبا لهم في ظنهم أنهم يغلبون بقوله تعالى : وَما أي : والحال أنه ما يُبْدِئُ الْباطِلُ أي : الذي أنتم عليه من الكفر وَما يُعِيدُ أي : ذهب فلم تبق منه بقية مأخوذ من هلاك الحي فإنه إذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة فجعلوا قولهم لا يبدئ ولا يعيد مثلا في الهلاك ومنه قول عبيد « 2 » : أقفر من أهله عبيد * أصبح لا يبدي ولا يعيد والمعنى : جاء الحق وهلك الباطل كقوله تعالى جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ [ الإسراء : 81 ] وعن ابن مسعود : « دخل النبي صلّى اللّه عليه وسلم مكة وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بعود ويقول جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [ الإسراء : 81 ] قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ « 3 »

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث 4801 ، ومسلم في الإيمان حديث 208 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3363 . ( 2 ) البيت من مخلع البسيط ، وهو لعبيد بن الأبرص في ديوانه ص 45 ، وكتاب العين 5 / 151 ، ومقاييس اللغة 4 / 181 ، وأساس البلاغة ( بدأ ) ، وجمهرة الأمثال 1 / 359 ، والفاخر ص 251 ، ولسان العرب ( قفر ) . ( 3 ) أخرجه البخاري في المظالم حديث 2478 ، ومسلم في الجهاد حديث 1781 .