الخطيب الشربيني
367
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
مقاتل والكلبي والسدي : كانت الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام خمسمائة وخمسين سنة وقيل : ستمائة سنة لم تسمع الملائكة فيها وحيا ، فلما بعث الله تعالى محمدا صلّى اللّه عليه وسلم كلم جبريل عليه السّلام بالرسالة إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما سمعت الملائكة ظنوا أنها الساعة لأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم عند أهل السماوات من أشراط الساعة ، فصعقوا مما سمعوا خوفا من قيام الساعة ، فلما انحدر جبريل عليه السّلام جعل يمر بكل سماء فيكشف عنهم فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ يعني الوحي وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ وقال الحسن وابن زيد : حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند نزول الموت إقامة للحجة عليهم قالت لهم الملائكة عليهم السلام : ماذا قال ربكم في الدعاء قالوا : الحق فأقروا به حيث لم ينفعهم الإقرار . ولما سلب تعالى عن شركائهم أن يملكوا شيئا من الأكوان ، وأثبت جميع الملك له وحده ، وأمر نبيه محمدا صلّى اللّه عليه وسلم أن يقررهم بما يلزم منه ذلك بقوله تعالى : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ أي : بالمطر وَالْأَرْضِ أي : بالنبات ، وأفرد الأرض لأنهم لا يعلمون غيرها ، ثم أمره تعالى أن يتولى الإجابة بقوله تعالى : قُلِ اللَّهُ أي : إن لم يقولوا رازقنا الله تعالى فقل أنت : إن رازقكم الله وذلك للإشعار بأنهم يقرون به بقلوبهم إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به ، لأن الذي تمكن من صدورهم من العناد وحب الشرك قد ألجم أفواههم عن النطق بالحق مع علمهم بصحته ؛ ولأنهم إن تفوهوا بأن الله تعالى رازقهم لزمهم أن يقال لهم : فما لكم لا تعبدون من يرزقكم وتؤثرون عليه من لا يقدر على الرزق ، ألا ترى إلى قوله تعالى قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ يونس : 31 ] أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ [ يونس : 31 ] حتى قال : فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ [ يونس : 31 ] ثم قال تعالى : فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [ يونس : 32 ] فكأنهم كانوا يقرون بألسنتهم مرة ، ومرة يتلعثمون عنادا وفرارا وحذرا من إلزام الحجة ونحوه قوله عز وجل قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا [ الرعد : 16 ] وأمر بأن يقول لهم بعد لا إلزام والإلجام الذي إن لم يزد على إقرارهم بألسنتهم لم يتقاصر عنه وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ أي : أحد الفريقين من الذين يوحدون الرازق من السماوات والأرض بالعبادة ، ومن الذين يشركون به الجماد الذي لا يوصف بالقدرة لَعَلى هُدىً أي : في متابعة ما ينبغي أن يعمل مستعلين عليه أَوْ فِي ضَلالٍ عن الحق مُبِينٍ أي : بين في نفسه داع لكل أحد إلى معرفة أنه ضلال ، وهذا ليس على طريق الشك لأنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يشك أنه على هدى ويقين ، وأن الكفار على ضلال مبين وإنما هذا الكلام جار على ما تخاطب به العرب من استعمال الإنصاف في محاوراتهم على سبيل الفرض والتقدير ، ويسميه أهل البيان الاستدراج ، وهو أن يذكر لمخاطبه أمرا يسلمه وإن كان بخلاف ما يذكر حتى يصغي إلى ما يلقيه إليه إذ لو بدأه بما يكره لم يصغ ونظيره قولهم : أخزى الله الكاذب مني ومنك ، ومثله قول حسان رضي الله تعالى عنه يريد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وأبا سفيان « 1 » : أتهجوه ولست له بكفء * فشركما لخيركما الفداء
--> ( 1 ) البيتان من الوافر ، وهما لحسان بن ثابت في ديوانه ص 76 ، وخزانة الأدب 9 / 232 ، 236 ، 237 ، وشرح الأشموني 3 / 388 ، ولسان العرب ( ندد ) ، ( عرش ) ، ( عرض ) ، وأمالي المرتضى 1 / 632 ، وتاج العروس ( عرض ) .