الخطيب الشربيني

368

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

فإن أبي ووالدتي وعرضي * لعرض محمد منكم وقاء مع العلم لكل أحد أنه صلّى اللّه عليه وسلم خير خلق الله كلهم . تنبيه : ذكر تعالى في الهدى كلمة على ، وفي الضلال كلمة في ، لأن المهتدي كأنه مرتفع مطلع فذكر بكلمة التعالي فكأنه مستعل على فرس جواد يركضه حيث شاء ، والضال منغمس في الظلمة غريق فيها فأتى بكلمة في فكأنه منغمس في ظلام مرتبك فيه لا يدري أين يتوجه قال البغوي : وقال بعضهم : أو بمعنى الواو والألف فيه صلة كأنه يقول : وإنا وإياكم لعلى هدى وفي ضلال مبين يعني : نحن على الهدى وأنتم في الضلال . قُلْ أي : لهم لا تُسْئَلُونَ أي : من سائل ما عَمَّا أَجْرَمْنا أي : لا تؤاخذون به وَلا نُسْئَلُ أي : في وقت من الأوقات من سائل ما عَمَّا تَعْمَلُونَ أي : من الكفر والتكذيب وهذا أدخل في الإنصاف وأبلغ في التواضع حيث أسندوا الإجرام إلى أنفسهم والعمل إلى المخاطبين ، وقيل : المراد بالإجرام الصغائر والزلات التي لا يخلو منها مؤمن ، وبالعمل الكفر والمعاصي العظام . قُلْ أي : لهم يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا أي : يوم القيامة ثُمَّ يَفْتَحُ أي : يحكم بَيْنَنا بِالْحَقِّ أي : الأمر الثابت الذي لا يقدر أحد منا ولا منكم على التخلف عنه وهو العدل والفضل من غير ظلم ولا ميل ، فيدخل المحقين الجنة والمبطلين النار وَهُوَ الْفَتَّاحُ أي : الحاكم الفاصل في القضايا المغلقة البليغ الفتح لما انغلق فلا يقدر أحد على فتحه الْعَلِيمُ أي : البليغ العلم بكل دقيق وجليل فلا تخفى عليه خافية . قُلْ أي : لهم أَرُونِيَ أي : أعلموني الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ أي : بالله شُرَكاءَ أي : في العبادة هل يخلقون وهل يرزقون وقوله تعالى : كَلَّا أي : لا يخلقون ولا يرزقون ردع لهم عن مذهبهم بعد ما كسره بإبطال المقايسة كما قال إبراهيم عليه السّلام أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ الأنبياء : 67 ] بعدما حجهم وقد نبه على تفاحش غلطهم بقوله تعالى : بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ أي : الغالب على أمره الذي لا مثل له وكل شيء يحتاج إليه الْحَكِيمُ أي : المحكم لكل ما يفعله فلا يستطيع أحد نقض شيء منه فكيف يكون له شريك ، وأنتم ترون ما ترون له من هاتين الصفتين المنافيتين لذلك . تنبيه : في هذا الضمير وهو « هو » قولان : أحدهما : أنه عائد إلى الله تعالى أي : ذلك الذي ألحقتم به شركاء هو الله والعزيز الحكيم صفتان . والثاني : أنه ضمير الأمر والشأن والله مبتدأ ، والعزيز الحكيم خبر إن والجملة خبر هو . فإن قيل : ما معنى قوله أَرُونِيَ وكان يراهم ويعرفهم أجيب : بأنه أراد بذلك أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله تعالى وأن يقاس على أعينهم فيه وبين أصنامهم ليطلعهم على إحالة القياس إليه والإشراك به . ولما بين تعالى مسألة التوحيد شرع في الرسالة بقوله سبحانه وتعالى : وَما أَرْسَلْناكَ أي : بعظمتنا إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ أي : إرسالا عاما شاملا لكل ما شمله إيجادنا فكأنه حال من الناس قدم للاهتمام ، وقول البيضاوي : ولا يجوز جعلها حالا من الناس أي : لأن تقديم حال المجرور عليه