الخطيب الشربيني

366

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

شركة لا خلقا ولا ملكا وَما لَهُ أي : الله مِنْهُمْ وأكد النفي بإثبات الجار فقال مِنْ ظَهِيرٍ أي : معين على شيء مما يريده من تدبير أمرهما وغيرهما فكيف يصح مع هذا العجز أن يدعوا كما يدعى ، ويرجوا كما يرجى ويعبدوا كما يعبد . ولما كان قد بقي من أقسام النفع الشفاعة وكان المقصود منها أثرها لا عينها نفاه بقوله تعالى : وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ أي : فلا تنفعهم شفاعة كما يزعمون إذ لا تنفع الشفاعة عند الله إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ أي : وقع منه إذن له على لسان من شاء من جنوده بواسطة واحدة ، أو أكثر في أن يشفع في غيره وفي أن يشفع فيه غيره ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بضم الهمزة والباقون بفتحها وقوله تعالى : حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ غاية لمفهوم الكلام من أن ثم انتظارا للإذن وتوقعا وتمهلا وفزعا من الراجين للشفاعة والشفعاء هل يؤذن لهم أو لا يؤذن ، وأنه لا يطلق الإذن إلا بعد ملئ من الزمان وطول من التربص ، ومثل هذه الحال دل عليها قوله عز من قائل رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً ( 37 ) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [ النبأ : 37 - 38 ] كأنه قيل : يتوقعون ويتربصون مليا فزعين ذاهلين حتى إذا فزع عن قلوبهم أي : كشف الفزع عن قلوبهم أي : كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن قالُوا أي : قال بعضهم لبعض ما ذا قالَ رَبُّكُمْ أي : في الشفاعة ذاكرين صفة الإحسان ليرجع إليهم رجاؤهم فتسكن بذلك قلوبهم قالُوا قال : القول الْحَقَّ أي : الثابت الذي لا يمكن أن يبدل ، بل يطابق الواقع فلا يكون شيء يخالفه وهو الإذن في الشفاعة لمن ارتضى منهم وهم المؤمنون وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ أي : ذو العلو فلا رتبة إلا دون رتبته ، والكبرياء فليس لملك ولا نبي أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه ، روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إذا قضى الله الأمر في السماء صفقت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالوا الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه فيسمع الكلمة ويلقيها إلى من تحته ، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته ، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها ، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال : أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي من السماء » « 1 » وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا أراد الله أن يوحي بالأمر وتكلم بالوحي أخذت السماء رجفة ، أو قال : رعدة شديدة خوفا من الله تعالى فإذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا ، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل عليه السّلام فيكلمه الله تعالى من وحيه بما أراد ، ثم يمر جبريل عليه السّلام على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل : فيقول جبريل عليه السّلام « قال الحق وهو العلي الكبير » فيقولون كلهم مثل ما يقول جبريل عليه السّلام ، فينتهي جبريل عليه السّلام بالوحي حيث أمره الله تعالى » « 2 » وقال

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث 4701 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3223 ، وابن ماجة في المقدمة حديث 194 . ( 2 ) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 5 / 152 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 94 .