الخطيب الشربيني

292

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

عليهم ريحا ، وجنود الله تعالى تفعل فيهم ما تفعل وأبو سفيان قاعد يصطلي فأخذت سهما فوضعته في كبد قوسي فأردت أن أرميه - ولو رميته لأصبته - فذكرت قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : لا تحدثن شيئا حتى ترجع ، فرددت سهمي في كنانتي ، فلما رأى أبو سفيان ما تفعل الريح وجنود الله تعالى بهم لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء قام فقال : يا معشر قريش ليأخذن كل منكم بيد جليسه فلينظر من هو ، فأخذت بيد جليسي فقلت : من أنت قال : سبحان الله أما تعرفني أنا فلان فإذا رجل من هوازن فقال أبو سفيان يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام ، لقد هلك الكراع والخف وأخلفنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره ، وبلغنا من هذه الريح ما ترون ، فارتحلوا فإني مرتحل ، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم . وسمعت غطفان بما فعلت قريش فاستمروا راجعين إلى بلادهم قال : فرجعت إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كأني أمشي في حمام فأتيته وهو قائم يصلي فلما أخبرته الخبر ضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل قال : فلما أخبرته وفرغت قررت وذهب عني الدفء ، فأدناني النبي صلّى اللّه عليه وسلم فأنامني عند رجليه وألقى عليّ طرف ثوبه ، وألصق صدري ببطن قدميه فلم أزل نائما حتى أصبحت فقال : قم يا نومان « 1 » . ثم إن الله تعالى بيّن حال غير الثابتين بقوله تعالى : وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ معتب بن قشير وقيل : عبد الله بن أبيّ وأصحابه وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي : ضعف اعتقاد ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً أي : باطلا استدرجنا به إلى الانسلاخ عما كنا عليه من دين آبائنا ، وإلى الثبات على ما صرنا إليه بعد ذلك الانسلاخ بما وعدنا به من ظهور هذا الدين على الدين كله والتمكين في البلاد حتى حفر الخندق ، فإنه قال : إنه أبصر بما برق له من ضوء صخرة سلمان مدينة صنعاء من اليمن وقصور كسرى من الحيرة من أرض فارس ، وقصور الشام من أرض الروم ، وإن تابعيه ليظهرون على ذلك كله ، وقد صدق الله وعده في جميع ذلك حتى في لبس سراقة بن مالك بن جعشم سوار كسرى بن هرمز كما هو مذكور في دلائل النبوة للبيهقي ، وكذبوا في شكهم ففاز المصدقون وخاب الذين هم في ريبهم يترددون . وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أي : من المنافقين وهم أوس بن قبطي وأصحابه يا أَهْلَ يَثْرِبَ أي : المدينة وقال أبو عبيدة : يثرب اسم أرض ومدينة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم في ناحية منها ، وفي بعض الأخبار : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم نهى أن تسمى المدينة يثرب ، وقال : هي طابة كأنه كره تلك اللفظة فعدلوا عن هذا الاسم الذي وسمها به النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى الاسم الذي كانت تدعى به قديما مع نهيه عنه ، واحتمال قبحه باشتقاقه من الثرب الذي هو اللوم والتعنيف ، وقال أهل اللغة : يثرب اسم المدينة وقيل : اسم البقعة التي فيها المدينة . وامتناع صرفها إما للعلمية والوزن أو العلمية والتأنيث ، وأما يثرب بالمثناة وفتح الراء فموضع آخر باليمن قال الشاعر « 2 » :

--> ( 1 ) انظر السيرة النبوية لابن هشام 4 / 188 - 190 . ( 2 ) البيت من الطويل ، ونسب لأكثر من شاعر ، فهو لابن عبيد الأشجعي في خزانة الأدب 1 / 58 ، وللأشجعي في لسان العرب ( ترب ) ، ( عرقب ) ، ولعلقمة في جمهرة اللغة ص 1123 ، وللشماخ في ملحق ديوانه ص 430 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 343 ، وللشماخ أو للأشجعي في الدرر 5 / 245 ، وشرح المفصل -