الخطيب الشربيني

293

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وعدت وكان الخلف منك سجية * مواعيد عرقوب أخاه بيثرب وقال آخر « 1 » : وقد وعدتك موعدا لو وفت به * مواعيد عرقوب أخاه بيثرب وقرأ لا مقام حفص بضم الميم أي : لا إقامة لَكُمْ في مكان القتال ومصارعة الأبطال ، والباقون بفتحها أي : لامكان لكم تنزلون وتقيمون فيه فَارْجِعُوا إلى منازلكم عن أتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلم وقيل : عن القتال إلى منازلكم . ولما بين تعالى هؤلاء الذين هتكوا الستر وبينوا ما هم فيه من سفول الأمر أتبعهم آخرين تستروا ببعض الستر متمسكين بأذيال النفاق خوفا من أهوال الشقاق بقوله تعالى : وَيَسْتَأْذِنُ أي : يجدد كل وقت طلب الإذن لأجل الرجوع إلى البيوت والكون مع النساء فَرِيقٌ مِنْهُمُ أي : طائفة شأنها الفرقة النَّبِيَّ في الرجوع ، وقد رأوا ما حواه من علو المقدار بما له من حسن الخلق والخلق وما له من جلالة الشمائل وكرم الخصائل ، وهم بنو حارثة وبنو سلمة يَقُولُونَ أي : في كل قليل مؤكدين لعلمهم بكذبهم وتكذيب المؤمنين قولهم إِنَّ بُيُوتَنا أتوا بجمع الكثرة إشارة إلى كثرة أصحابهم من المنافقين عَوْرَةٌ أي : غير حصينة بها خلل كبير يمكن كل من أراد من الأحزاب أن يدخلها يدخلها منه ، وقيل قصيرة الجدران فإذا ذهبنا إليها حفظناها منهم وكفينا من يأتي إلينا من مفسديهم حماية للدين وذبا عن الأهلين ، وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص بضم الباء والباقون بالكسر ، ثم أكذبهم الله تعالى بقوله تعالى : وَما أي : والحال أنها ما هِيَ بِعَوْرَةٍ في ذلك الوقت الذي قالوا هذا فيه ولا يريدون بذهابهم حمايتها إِنَّ أي : ما يُرِيدُونَ باستئذانهم إِلَّا فِراراً من القتال . ولما كانت عنايتهم مشتدة بملازمة دورهم ، فأظهروا اشتداد العناية بحمايتها زورا بين تعالى ذلك بقوله تعالى : وَلَوْ دُخِلَتْ أي : بيوتهم أو المدينة ، وأنث الفعل نصا على المراد وإشارة إلى أن ما ينسب إليهم جدير بالضعف ، وأتى بأداة الاستعلاء بقوله تعالى : عَلَيْهِمْ إشارة إلى أنه دخول غلبة مِنْ أَقْطارِها أي : جوانبها كلها بحيث لا يكون لهم مكان للهرب ، وحذف الفاعل للإيماء بأن دخول هؤلاء الأحزاب ودخول غيرهم من العساكر سيان في اقتضاء الحكم المرتب عليه ثُمَّ سُئِلُوا من أي سائل كان الْفِتْنَةَ أي : الشرك ومقاتلة المسلمين وقرأ لأتوها نافع وابن كثير بقصر الهمزة لجاؤها أو فعلوها ، والباقون بالمد أي : لأعطوها إجابة لسؤال من سألهم وَما تَلَبَّثُوا بِها أي : ما احتبسوا عن الفتنة إِلَّا يَسِيراً أي : لأسرعوا إلى الإجابة للشرك طيبة بها نفوسهم ، فعلم بذلك أنهم لا يقصدون إلا الفرار لا حفظ البيوت من المضار ، وهذا قول أكثر المفسرين . وقال الحسن : المراد بالفتنة الخروج من البيوت سمى بذلك لأن الإنسان لا يخرجه من بيته إلا الموت أو ما هو يقاربه ، فكأنه فتنة ، وعلى هذا يكون الضمير في بها راجعا للبيوت أو المدينة

--> - 1 / 113 ( بروايتين مختلفتين في الصدر ) ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 173 ، 253 ، 1198 ، وشرح قطر الندى ص 261 ، والكتاب 1 / 272 ، والمقرب 1 / 131 ( وراجع ديوان الشماخ ص 430 - 432 ) . ( 1 ) هي رواية أخرى للصدر ، انظر الحاشية السابقة .