الخطيب الشربيني
289
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وأصحابه ، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ، فذكر ذلك رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة واستشارهما فيه فقالا : يا رسول الله أشيء أنزل الله تعالى به لا بد لنا من عمل به أم أمر تحبه فتصنعه أم شيء تصنعه لنا ، قال : لا والله بل لكم ، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد ، وكالبوكم من كل جانب ، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم ، فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إلا قرى أو بيعا ، أفحين أكرمنا الله تعالى بالإسلام وأعزنا الله تعالى بك نعطيهم أموالنا ، ما لنا بهذا من حاجة ، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : أنت وذلك ، فتناول سعد رضي الله تعالى عنه الصحيفة فمحا ما فيها من الكتابة ثم قال : ليجهدوا علينا . فأقام رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وعدوهم محاصرهم ولم يكن بينهم قتال إلا فوارس من قريش ، عمرو بن عبد ودّ أخو بني عامر بن لؤي ، وعكرمة بن أبي جهل ، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان ، ونوفل بن عبد الله ، وضرار بن الخطاب ، ومرداس أخو محارب بن فهر ، قد تلبسوا للقتال وخرجوا على خيلهم ومروا على بني كنانة فقالوا : تهيؤوا للحرب يا بني كنانة فستعلمون اليوم من الفرسان ، ثم أقبلوا نحو الخندق حتى وقفوا عليه ، فلما رأوه قالوا : والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها ، ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيولهم فاقتحمت فيه فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع . وخرج عليّ رضي الله تعالى عنه في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها خيلهم ، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم ، وكان عمرو بن عبد ودّ قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد أحدا ، فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه ، فلما وقف هو وخيله قال له علي : يا عمرو إنك كنت تعاهد الله تعالى لا يدعوك رجل من قريش إلى خصلتين إلا أخذت منه إحداهما ، قال له : أجل قال له علي : فإني أدعوك إلى الله تعالى وإلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، وإلى الإسلام قال : لا حاجة لي بذلك قال : فإني أدعوك إلى البراز قال : ولم يا ابن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك . قال عليّ : ولكني والله أحب أن أقتلك ، فحمي عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فنقره أو ضرب وجهه ، ثم أقبل على عليّ فتنازلا وتجاولا فقتله عليّ ، وخرجت خيله مهزومة حتى اقتحمت من الخندق هاربة ، وقتل مع عمرو رجلان منبه بن عثمان أصابه سهم فمات بمكة ، ونوفل بن عبد الله المخزومي وكان اقتحم الخندق فتورط فيه فرموه بالحجارة فقال : يا معشر العرب قتلة أحسن من هذه ، فنزل إليه عليّ رضي الله تعالى عنه فقتله فغلب المسلمون على جسده فسألوا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أن يبيعهم جسده فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : لا حاجة لنا في جسده وثمنه فشأنكم به فخلى بينهم وبينه . ولما نشأ عن هذا تقلب القلوب وتجدد ذهاب الأفكار كل مذهب ، عبر بالمضارع الدال على دوام التجدد بقوله تعالى : وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الذي له صفات الكمال الظُّنُونَا أي : أنواع الظن ، فظن المخلصون الثّبت القلوب أن الله تعالى منجز وعده في إعلاء دينه ، أو ممتحنهم ، فخافوا الزلل ، وروي أن المسلمين قالوا : بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء نقوله ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « قولوا