الخطيب الشربيني
290
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا » « 1 » وأما الضعاف القلوب والمنافقون فقالوا : ما حكى الله عنهم فيما سيأتي ، وقرأ نافع وابن عامر الظنونا هنا والرسولا والسبيلا في آخر السورة بإثبات الألف في الثلاثة وقفا ووصلا ، وأبو عمرو وحمزة بحذف الألف وقفا ووصلا قال الزمخشري : وهو القياس والباقون بالألف في الوقف دون الوصل زادوها في الفاصلة كما زادوها في القافية قال « 2 » : أقلي اللوم عاذل والعتابا ورسم الثلاثة بالألف . ولما كانت الشدة في الحقيقة إنما هي للثابت لأنه ما عنده إلا الهلاك أو النصرة قال تعالى : هُنالِكَ أي : في ذلك الوقت العظيم البعيد الرتبة ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ اختبروا فظهر المخلص من المنافق والثابت من المتزلزل وَزُلْزِلُوا أي : حركوا وأزعجوا بما يرون من الأهوال بتظافر الأعداء مع الكثرة وتطاير الأراجيف زِلْزالًا شَدِيداً فثبتوا تثبيت الله تعالى لهم على عدوهم ، وعن صفية قالت : مر بنا رجل من اليهود فجعل يطوف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وليس بيننا وبينهم من يدفع عنا ، ورسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم إذا أتانا آت قالت : فقلت يا حسان إن هذا اليهودي يطوف بنا كما ترى بالحصن وإني والله ما آمنه أن يدل على عوراتنا من ورائنا من يهود ، وقد شغل عنا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه فانزل إليه فاقتله فقال : يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا . قالت : فلما قال ذلك ولم أر عنده شيئا احتجزت ثم أخذت عمودا ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته ، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل قال : ما لي بسلبه من حاجة يا ابنة عبد المطلب » وأقام رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم . ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن غطفان أتى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإنما الحرب خدعة ، فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية فقال لهم : يا بني قريظة قد عرفتم ودّي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم قالوا : صدقت لست عندنا بمتهم فقال لهم : إن قريشا وغطفان جاؤوا لحرب محمد وقد ظاهر تموهم عليه ، وإن قريشا وغطفان ليسوا كهيئتكم البلد بلدكم وبه أموالكم وأولادكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره ، وإن قريشا وغطفان أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم بغيره إن رأو نهزة وغنيمة أصابوها ، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ، والرجل ببلدكم لا طاقة لكم
--> ( 1 ) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 5 / 185 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 3714 ، و 3863 ، وابن كثير في تفسيره 6 / 389 . ( 2 ) عجزه : وقولي إن أصبت لقد أصابا والبيت من الوافر ، وهو لجرير في ديوانه ص 813 ، وخزانة الأدب 1 / 69 ، والدرر 5 / 176 ، والكتاب 4 / 205 ، 208 ، وبلا نسبة في الإنصاف ص 655 ، وشرح ابن عقيل ص 17 .