الخطيب الشربيني
251
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
[ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 30 إلى 34 ] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( 30 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 31 ) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ( 32 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 33 ) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 34 ) . أَ لَمْ تَرَوْا أي : تعلموا علما هو في ظهوره كالمشاهدة أَنَّ اللَّهَ أي : الحائز لكل كمال سَخَّرَ لَكُمْ أي : لأجلكم ما فِي السَّماواتِ من الإنارة والإظلام والشمس والقمر والنجوم والسحاب والمطر والبرد وغير ذلك من الإنعامات مما لا يحصى ، كما قال وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ [ الأعراف ، 54 ] وَ سخر لكم ما فِي الْأَرْضِ من البحار والثمار والآبار والأنهار والدواب والمعادن وغير ذلك مما لا يحصى وَأَسْبَغَ أي : أوسع وأتم عَلَيْكُمْ وقوله تعالى نِعَمَهُ قرأه نافع وأبو عمرو وحفص بفتح العين وبعد الميم هاء مضمومة ، والباقون بسكون العين وبعد الميم تاء مفتوحة منونة ، ومعناها الجمع أيضا كقوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم : 34 ] . واختلف في قوله عز وجل ظاهِرَةً وَباطِنَةً على أقوال : فقال عكرمة عن ابن عباس : النعمة الظاهرة : القرآن والإسلام ، والباطنة : ما ستر عليك من الذنوب ولم يعجل عليك بالنقمة ، وقال الضحاك : الظاهرة حسن الصورة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة ، وقال مقاتل : الظاهرة تسوية الخلق والرزق والإسلام ، والباطنة ما ستر من الذنوب ، وقال الربيع : الظاهرة الجوارح والباطنة القلب ، وقال عطاء الظاهرة تخفيف الشرائع والباطنة الشفاعة ، وقال مجاهد : الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء والباطنة الإمداد بالملائكة ، وقال سهل بن عبد الله : الظاهرة اتباع الرسول والباطنة محبته ، وقيل الظاهرة تمام الرزق والباطنة تمام الخلق ، وقيل الظاهرة الإمداد بالملائكة والباطنة إلقاء الرعب في قلوب الكفار ، وقيل الظاهرة الإقرار باللسان والباطنة الاعتقاد بالقلب ، وقيل : الظاهرة البصر والسمع واللسان وسائر الجوارح الظاهرة ، والباطنة القلب والعقل والفهم وما أشبه ذلك ، ويروى في دعاء موسى : عليه السّلام إلهي دلني على إخفاء نعمتك على عبادك ، فقال : أخفى نعمتي عليهم النفس ، ويروى أن أيسر ما يعذب به أهل النار الأخذ بالأنفاس . ونزل في النضر بن الحارث وأبي بن خلف وأشباههم كانوا يجادلون النبي صلّى اللّه عليه وسلم في الله تعالى وفي صفاته : وَمِنَ النَّاسِ أي : أهل مكة مَنْ يُجادِلُ أي : يحاجج فلا لهو أعظم من جداله ولا كبر مثل كبره ولا ضلال مثل ضلاله وأظهر زيادة التشنيع على هذا المجادل بقوله تعالى : فِي اللَّهِ أي : المحيط علما وقدرة ثم بين تعالى مجادلته أنها بِغَيْرِ عِلْمٍ أي : مستفاد من دليل بل بألفاظ في ركاكة معانيها لعدم إسنادها إلى حس ولا عقل ملحقة بأصوات الحيوانات العجم فكان بذلك حمارا تابعا للهوى وَلا هُدىً أي : من رسول عهد منه سداد الأقوال والأفعال بما أبدى من المعجزات والآيات البينات فوجب أخذ أقواله مسلمة وإن لم يظهر معناها وَلا كِتابٍ أي : من الله تعالى ، ثم وصفه بما هو لازم له بقوله تعالى : مُنِيرٍ أي : بين غاية البيان ؛ بل إنما يجادل بالتقليد كما قال تعالى :