الخطيب الشربيني
252
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وَإِذا قِيلَ أي : من أي : قائل كان لَهُمُ أي : المجادلين هذا الجدال اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ أي : الذي خلقكم وخلق آباءكم الأوّلين قالُوا جحودا لا نفعل بَلْ نَتَّبِعُ وإن أتيتنا بكل دليل ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا لأنهم أثبت منا عقولا وأقوم قيلا وأهدى سبيلا ، فهذه المجادلة في غاية القبح فإن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم يدعوهم إلى كلام الله وهم يأخذون بكلام آبائهم ، وبين كلام الله تعالى وبين كلام العلماء بون عظيم فكيف ما بين كلام الله تعالى وكلام الجهال أَ وَلَوْ أي : أيتبعونهم ولو كانَ الشَّيْطانُ أي : البعيد من الرحمة ، المحترق باللعنة يَدْعُوهُمْ إلى الضلال فيوبقهم فيما يسخط الرحمن فيؤديهم لك إِلى عَذابِ السَّعِيرِ وجواب لو محذوف مثل لا تتبعوه ، والاستفهام للإنكار والتعجب ، والمعنى أن الله تعالى يدعوهم إلى الثواب والشيطان يدعوهم إلى العذاب وهم مع هذا يتبعون الشيطان . ولما بين تعالى حال المشرك والمجادل في الله بين تعالى حال المسلم المستسلم لأمر الله تعالى بقوله تعالى : وَمَنْ يُسْلِمْ أي : في الحال والاستقبال وَجْهَهُ أي : قصده وتوجهه وذاته كلها إِلَى اللَّهِ أي : الذي له صفات الكمال بأن فوض أمره إليه فلم يبق لنفسه أمر أصلا فهو لا يتحرك إلا بأمر من أوامره سبحانه وَهُوَ أي : والحال أنه مُحْسِنٌ أي : مخلص بباطنه كما أخلص بظاهره فهو دائما في حال الشهود فَقَدِ اسْتَمْسَكَ أي : أوجد الإمساك بغاية ما يقدر عليه من القوّة في تأدية الأمور بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى أي : اعتصم بالعهد الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه ؛ لأنّ أوثق العرى جانب الله تعالى فإن كل ما عداه هالك منقطع وهو باق لا انقطاع له ، وهذا من باب التمثيل مثل حال المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق جبل فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه ، فإن قيل كيف قال ههنا وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ فعداه بإلى ، وقال في البقرة بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [ البقرة : 112 ] فعداه باللام ؟ أجيب : بأن أسلم يتعدّى تارة باللام ، وتارة بإلى ، كما يتعدّى أرسل تارة باللام وتارة بإلى قال تعالى وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا [ النساء ، 79 ] وقال تعالى كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا [ المزمل ، 15 ] وَإِلَى اللَّهِ أي : الملك الأعلى عاقِبَةُ الْأُمُورِ أي : مصير جميع الأشياء إليه ، كما أنّ منه باديتها ، وإنما خص العاقبة لأنهم مقرون بالبادية . ولما بين تعالى حال المسلم رجع إلى بيان حال الكافر فقال تعالى : وَمَنْ كَفَرَ أي : ستر ما أداه إليه عقله من أن الله تعالى لا شريك له وأن لا قدرة أصلا لأحد سواه ولم يسلم وجهه إليه فَلا يَحْزُنْكَ أي : يهمك ويوجعك كُفْرُهُ كائنا من كان ، فإنه لم يفتك شيء فيه ولا معجز لنا ليحزنك ولا تبعة عليك بسببه في الدنيا وفي الآخرة ، وأفرد الضمير في كفره اعتبارا بلفظ من لإرادة التنصيص على كل فرد ، وفي التعبير هنا بالماضي وفي الأوّل بالمضارع بشارة بدخول كثير في هذا الدين وأنهم لا يرتدون بعد إسلامهم ، وترغيب في الإسلام لكل من كان خارجا عنه فالآية من الاحتباك ، ذكر الحزن ثانيا دليلا على حذف ضدّه أوّلا ، وذكر الاستمساك أوّلا دليلا على حذف ضدّه ثانيا إِلَيْنا أي : في الدارين مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ أي : بسبب إحاطتنا بأمرهم وعقب رجوعهم بِما عَمِلُوا أي : ونجازيهم عليه إن أردنا إِنَّ اللَّهَ أي : الذي لا كفء له عَلِيمٌ أي : محيط العلم بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال بِذاتِ الصُّدُورِ أي : لا يخفى عليه سرّهم وعلانيتهم فينبئهم بما أسرّت صدورهم .