الخطيب الشربيني

5

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

على ذلك ، والباقون بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء على أنّ الإشارة للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . إِنَّ رَبَّكُمُ الموجد لكم والمربي والمحسن هو اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ أي : قدّر وأوجد السَّماواتِ وَالْأَرْضَ على اتساعهما ، وكثرة ما فيهما من المنافع فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ من أيام الدنيا ، أي : في قدرها ؛ لأنه لم يكن ثمّ شمس ، ولو شاء لخلقهما في لمحة ، والعدول عنه لتعليم خلقه التثبت . فإن قيل : إنّ اليوم قد يراد به اليوم مع ليلته ، وقد يراد به النهار وحده . فما المراد ؟ أجيب : بأنّ الغالب في اللغة أنه مراد باليوم اليوم بليلته ، ولما أوجد سبحانه وتعالى هذا الخلق الكبير المتباعد الأقطار ، الواسع الانتشار ، المفتقر إلى عظيم التدبير ، ولطيف التصريف والتقدير ؛ عبّر سبحانه وتعالى عن عمله فيه عمل الملوك في ممالكهم بقوله مشيرا إلى عظمته بأداة التراخي : ثُمَّ اسْتَوى أي : عمل في تدبيره وإتقان ما فيه وإحكامه عمل المعتني بذلك . عَلَى الْعَرْشِ المتقدّم وصفه في الأعراف بالعظمة ، وليست ثم للترتيب ، بل كناية عن علوّ الرتبة ، وبعد منازلها ، ثم بيّن ذلك الاستواء بقوله : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ كله فلا يخفى عليه عاقبة أمر من الأمور ؛ لأنّ التدبير أعدل أحوال الملك ، فالاستواء كناية عنه . وقوله تعالى : ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ تقرير لعظمته جل وعلا ، وردّ على من زعم أنّ آلهتهم تشفع لهم عند اللّه . وفيه إثبات الشفاعة لمن أذن له ذلِكُمُ اللَّهُ أي : الموصوف بتلك الصفات المقتضية للألوهية والربوبية رَبَّكُمُ أي : الذي يستحق العبادة منكم . فَاعْبُدُوهُ أي : وحّدوه ولا تشركوا به بعض خلقه من ملك أو إنسان ، فضلا عن جماد لا يضرّ ولا ينفع ، فإنّ عبادتكم مع التشريك ليست عبادة ، ولولا فضله لم يكن لمن زلّ أدنى زلة طاعة ، وقوله تعالى : أَ فَلا تَذَكَّرُونَ قرأه حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال ، والباقون بالتشديد بإدغام التاء في الأصل في الذال ، أي : أفلا تتفكرون أدنى تفكر فينبئكم عن أنه المستحق للربوبية ، والعبادة لا ما تعبدونه . إِلَيْهِ تعالى مَرْجِعُكُمْ أي : رجوعكم بالموت والنشور حالة كونكم جَمِيعاً لا يتخلف منكم أحد ، فاستعدّوا للقائه . وقوله تعالى : وَعْدَ اللَّهِ مصدر منصوب بفعله المقدّر مؤكد لنفسه ؛ لأن قوله تعالى : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ وعد من اللّه ، وقوله تعالى : حَقًّا أي : صدقا لا خلف فيه مصدر آخر منصوب بفعله المقدّر مؤكد لغيره ، وهو ما دل عليه وعد اللّه . إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ أي : يحييهم ابتداء . ثُمَّ يُعِيدُهُ أي : ثم يميتهم ثم يحييهم . وفي هذا دليل على الحشر والنشر والمعاد ، وصحة وقوعه ، وردّ على منكري البعث ووقوعه ؛ لأنّ القادر على خلق هذه الأجسام المؤلفة ، والأعضاء المركبة على غير مثال سبق ، قادر على إعادتها بعد تفريقها بالموت والبلى ، فيركب تلك الأجزاء المتفرقة تركيبا ثانيا ، ويخلق الإنسان الأوّل مرّة أخرى ، فإذا ثبت القول بصحة المعاد والبعث بعد الموت ؛ كان المقصود منه إيصال الثواب للمطيع ، والعقاب للعاصي ، وهو قوله تعالى : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ أي : بالعدل ، لا ينقص من أجورهم شيئا . وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وهو ماء حار قد انتهى حرّه وَعَذابٌ أَلِيمٌ أي : بالغ في الإيّلام . بِما كانُوا يَكْفُرُونَ أي : بسبب كفرهم . هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً أي : ذات ضياء وَالْقَمَرَ نُوراً أي : ذا نور ، وخص الشمس بالضياء ؛ لأنها أقوى وآكد من النور ، وخص القمر بالنور ؛ لأنه أضعف من الضياء ، لأنّ الشمس نيرة في ذاتها ، القمر نير بعرض مقابلة الشمس والاكتساب منها . وقرأ قنبل بهمزة مفتوحة