الخطيب الشربيني

6

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

ممدودة بعد الضاد ، والباقون بياء مفتوحة ، والضمير في قوله تعالى : وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ يرجع إلى الشمس والقمر ؛ ، أي : قدّر مسير كل واحد منهما منازل ، أو قدّره ذا منازل ، أو يرجع إلى القمر فقط ، وتخصيصه بالذكر لسرعة مسيره ومعاينة منازله ، وإناطة أحكام الشرع به ، ولذلك علله بقوله تعالى : لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ أي : حساب الأوقات من الأشهر والأيام في معاملاتكم وتصرّفاتكم ؛ لأنّ الشهور المعتبرة في الشريعة مبنية على رؤية الأهلة ، والسنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية ، كما قال تعالى : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ [ التوبة : 36 ] . فائدة : منازل القمر ثمانية وعشرون منزلا ، وأسماؤها : السرطان ، والبطين ، والثريا ، والدبران ، والهقعة ، والهنعة ، والذراع ، والنثرة ، والطرف ، والجبهة ، والزبرة ، والصرفة ، والعوّا ، والسماك ، والغفر ، والزباني ، والإكليل ، والقلب ، والشولة ، والنعائم ، والبلدة ، وسعد الذابح ، وسعد بلع ، وسعد السعود ، وسعد الأخبية ، وفرغ الدلو المقدّم ، وفرغ الدلو المؤخر ، وبطن الحوت . وهذه المنازل مقسومة على البروج وهي اثنا عشر برجا : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدي ، والدلو ، والحوت . فلكل برج منزلان وثلث ، فينزل القمر في كل ليلة منها منزلا ، فيستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين ، وإن كان تسعا وعشرين فليلة واحدة ، فيكون انقضاء الشهر مع نزوله تلك المنازل ويكون مقام الشمس في كل منزلة ثلاثة عشر يوما ، فيكون انقضاء السنة مع انقضائها ، وانتفاع الخلق بضوء الشمس ، وبنور القمر عظيم ، فالشمس سلطان النهار ، والقمر سلطان الليل ، وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى هذه الفصول الأربعة ، وبالفصول الأربعة تنتظم مصالح هذا العالم ، وبسبب الحركة اليومية يحصل النهار والليل ، والنهار يكون زمانا للتكسب وللطلب ، والليل يكون زمانا للراحة . ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ المذكور . إِلَّا بِالْحَقِّ أي : لم يخلق ذلك باطلا ولا عبثا - تعالى اللّه عن ذلك - إظهارا لقدرته ، ودلائل وحدانيته . ونظيره قوله تعالى في آل عمران : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا [ آل عمران : 191 ] . وقال تعالى في سورة أخرى : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ ص ، 27 ] . يُفَصِّلُ أي : يبين الْآياتِ أي : الدلائل الباهرة واحدة في إثر واحدة بيانا شافيا . لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فإنهم المنتفعون بالتأمّل فيها . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص بالياء ، والباقون بالنون . ولما استدل سبحانه وتعالى على إثبات الإلهية والتوحيد بقوله تعالى : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ الأعراف : 54 ] ، وثانيا بأحوال الشمس والقمر ، استدل ثالثا بقوله تعالى : إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي : بالمجيء والذهاب ، والزيادة والنقصان ، ورابعا بقوله تعالى : وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ من ملائكة وشمس وقمر ونجوم وغير ذلك . وَ ما خلق اللّه في الْأَرْضِ من حيوان وجبال وبحار وأنهار وأشجار وغير ذلك . فائدة : أقسام الحوادث في هذا العالم محصورة في أربعة أقسام ، أحدها : الأحوال الحادثة في العناصر الأربعة ، ويدخل فيها أحوال الرعد والبرق والسحاب والأمطار ، ويدخل فيها أيضا أحوال البحار والصواعق والزلازل والخسف ، وثانيها : أحوال المعادن وهي عجيبة كثيرة ،