الخطيب الشربيني

4

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

أنا الرب لا رب غيري . وقال سعيد بن جبير : الر وحم ونون حروف اسم الرحمن . وقد سبق الكلام على حروف الهجاء أوّل البقرة ، واتفقوا على أنّ الر وحده ليس آية ، واتفقوا على أنّ قوله : طه وحده آية ، والفرق أنّ قوله تعالى : الر لا يشاكل مقاطع الآي التي بعده بخلاف قوله تعالى طه ؛ فإنه يشاكل مقاطع الآي التي بعده ، وقرأ قالون وابن كثير وحفص بفتح الراء والألف بعدها ، وورش بين اللفظين ، والباقون بالإمالة المحضة . تِلْكَ أي : الآيات العظيمة جدّا التي اشتملت عليها هذه السورة أو السورة ، التي تقدّمت هذه السورة أو هذه الحروف المقطعة المشيرة إلى أنّ القرآن كلام اللّه تعالى قد أعجز القادرين على التلفظ بهذه الأحرف . آياتُ الْكِتابِ أي : الذكر الجامع لكل خير وهو هذا القرآن الذي وافق كل ما فيه من القصص كلّ ما في التوراة والإنجيل من ذلك فدل ذلك على صدق الآتي به قطعا ؛ لأنه لم يكن يعرف شيئا من الكتابين ولا جالس أحدا يعلمه . الْحَكِيمِ أي : المحكم . وقوله تعالى : أَ كانَ لِلنَّاسِ أي : أهل مكة ، استفهام إنكار للتعجب . وقوله تعالى : عَجَباً خبر كان ، والعجب تغير النفس بما لا تعرف سببه مما خرج عن العادة ، ثم ذكر الحامل على العجب ؛ وهو اسم كان بقوله تعالى : أَنْ أَوْحَيْنا أي : إيحاؤنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أي : من أهل مكة ومن قريش ، وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، يعرفون صدقه ونسبه وأمانته ، قيل : كانوا يقولون : العجب أنّ اللّه تعالى لم يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب ، وهو من فرط حماقتهم وقصور نظرهم على الأمور العاجلة ، وجهلهم بحقيقة الوحي والنبوّة ، وهو لم يكن صلّى اللّه عليه وسلّم يقصر عن عظمائهم فيما يعتبر فيه إلا في المال ، وخفة المال أهون شيء في هذا الباب ، ولذلك كان أكثر الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام قبله كذلك ، وقد قال اللّه تعالى : وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى [ سبأ 37 ] . أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ عامّة ، أي : أعلمهم مع الخوف ما أمامهم من البعث وغيره ، وأن هي المفسرة ؛ لأنّ الإيحاء فيه معنى القول . وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا إنما عمم في الإنذار لأنه قل أن يسلم أحد من كبيرة أو صغيرة أو هفوة جليلة أو حقيرة على اختلاف الرتب وتباين المقامات ، وخصص البشارة إذ ليس للكافر ما يصح أن يبشر به . أَنْ أي : بأنّ . لَهُمْ قَدَمَ أي : سلف صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ اختلفت عبارات المفسرين وأهل اللغة في معنى قدم صدق ، فقال ابن عباس : أجرا حسنا مما قدّموا من أعمالهم . وقال مجاهد : الأعمال الصالحة : صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم . وقال الحسن : عمل صالح أسلفوه يقدمون عليه . وقال عطاء : مقام صدق لا زوال له ولا بؤس فيه . وقال زيد بن أسلم : هو شفاعة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأضيف القدم إلى الصدق وهو نعته كقولهم : مسجد الجامع ، وصلاة الأولى ، وحب الحصيد . وقال أبو عبيدة : كل سابق في خير أو شرّ فهو عند العرب قدم . قال الشاعر « 1 » : صل لذي العرش واتخذ قدما * ينجيك يوم العثار والندم وهو مؤنث فيقال : قدم حسنة وقدم صالحة . وقوله تعالى : قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ قرأه نافع وأبو عمرو وابن عامر بكسر السين وسكون الحاء على أنّ الإشارة للقرآن المشتمل

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو في كتاب الأغاني 6 / 242 .