محمد بن عبد الرحمن الإيجي الشيرازي
41
جامع البيان في تفسير القرآن ( مع حواشي الغزنوي )
البتة شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ : من المعاصي ، وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ ، خص الجلود بالسؤال لأن الشهادة منها أعجب إذ ليس شأنها الإدراك بخلاف السمع والبصر لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا : لأي علة ؟ ! وبأي موجب ؟ ! قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ أي : كل شئ ينطق فما شهدنا اختيارا ، بل اضطرارا ، والأعضاء في القيامة هي الناطقة بالحقيقة « 1 » وفيها القدرة والإرادة ، لا كنطق ينسب إلى الجملة ، واللسان مجرد آلة حتى إن إسناد النطق إليه ربما يعد مجازا وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، الظاهر أنه من تتمة كلام الجلود « 2 » عن ابن عباس - رضى اللّه عنهما - إن الكافر يجحد شركه ويحلف كما يحلفون لكم فتشهد من أنفسهم جوارحهم ويختم على أفواههم ثم يفتح لهم الأفواه فتخاصم الجوارح فتقول أنطقنا اللّه الذي أنطق كل شئ وهو الذي خلقكم أول مرة وإليه ترجعون ، فتقر الألسنة بعد الجحود وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ : عند المعاصي ، أَنْ يَشْهَدَ : لأن يشهد عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ أي : ليس استتاركم عند المعاصي خيفة شهادة الجوارح ، فإنكم ما تصدقون بشهادتها لإنكاركم الحشر والبعث وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ « 3 » أي : لكنكم
--> ( 1 ) ولذلك قال : " شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ " وقالوا : " لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا " . وليس الشاهد أنفسهم وهذه آلات للنطق بمنزلة اللسان ، بل الجوارح في القيامة هي الناطقة حقيقة / 12 منه . ( 2 ) رد على البغوي والواحدي حيث قالا تم الكلام ، وقال اللّه : " وَهُوَ خَلَقَكُمْ " إلخ وليس هذا من جواب الجلود وهذا الذي نقلنا عن ابن عباس - رضى اللّه عنهما - يدل على ما قلنا وقد صحح هذا النقل عن ابن عباس - رضى اللّه عنهما - الشيخ المحدث عماد الدين بن كثير / 12 منه . ( 3 ) نقل محيى السنة بإسناده عن ابن مسعود قال : اجتمع عند البيت رجال فقال أحدهم : أترون أن اللّه يسمع ما نقول ؟ وقال الآخر : يسمع إن جهرنا لا إن أخفينا وقال الآخر : -