الشيخ أبو الفيض الناكوري

مقدمة 100

سواطع الالهام في تفسير كلام الملك العلام

استساغتها عقولهم ونفذت إلى أعماق قلوبهم وضمائرهم ، ألا وهي التمسّك بالإيمان باللّه الذي لا تدركه الأبصار ، بعد أن كانوا وثنيين يؤمنون بتعدد الآلهة ، وكذلك تأثرت الهنادكة بمبدأ المساواة وعدم التمييز بين طبقات الناس إلا بالتقوى والصلاح - المبدأ الإسلامي : لا فرق بين سيد قرشي وعبد حبشي إلا بالتقوى - فتمخض عن ذلك كله أن اعتنقت جماعات غفيرة من الهنادكة وغيرها الدين الحنيف . وهكذا ، وفي هذا الجو المتميز ترعرع وشبّ ( أكبر ) وبدأ حياته ، وظل طوال العشرين سنة الأولى من حكمه مسلما مخلصا ، ولكنه انقلب بسبب اختمار الأسباب الحاكمة على المجتمع آنذاك وبدأ يفكر في إيجاد مسلك جديد ، فبدأ عام 983 ه 1575 م بإنشاء دار خاصة في فتح‌پور باسم ( عبادت‌خانه ) لتكون منتدى للفقهاء والمتصوفة ورجال الدين وصفوة رجال الحكم من السنة والشيعة ، وكان يدعوهم مساء كل خميس لحضور هذه الدار ومناقشة المذاهب في حضرته ، بغية التقريب بين الآراء وتوحيد الإسلام في مذهب واحد ، ولكن هذه المناقشات لم تأت بالنتيجة المطلوبة ، وراح كل فريق يتهم الفريق الآخر بالكفر والمروق . هدت أكبر قريحته - بمعاونة وزيره الشيخ أبي الفيض الفيضي وأخيه الشيخ أبي الفضل - إلى ابتكار مسلك جديد يتألف كل ما هو حسن في سائر العقائد على وجه يقضي - فيما ظنه - على تناحر الفرق والأديان ويهيئ السلام للناس والأمن للدولة . وهذا المذهب الذي يعرف في التاريخ باسم ( دين الهي ) أو ( التوحيد الإلهي ) ، والذي يقوم على تمجيد اللّه وينادى بوحدة الوجود ويمتزج فيه التصوف والفلسفة بالعبادات ، والسلطان هو الإمام العادل ، ظل اللّه على الأرض ، المجتهد الأكبر ، إطاعته فرض ومخالفته حرام - وسنتحدث عن ظروف هذه المسألة - اقتبس هذا المسلك الجديد من الإسلام والهندوكية والمسيحية ، وربما الزرادشتية ، وبتعبير آخر اقتبس الروح من الإسلام بينما صاغ الجسم من غيرها ، ومن الطبيعي لم يقع هذا المسلك موقع القبول من جميع العلماء والطبقات والشعوب الهندية ، وكان يتأرجح بين مؤيديه ومعارضيه . ولكن لم يكن هذا المسلك الهدف