الفيروز آبادي
259
بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز
قسمان : محض الحرام ، وفضول الحلال ، لأنّ استعمال فضول الحلال قد يخرج صاحبه إلى الحرام ومحض العصيان ، وذلك لشرّة « 1 » النّفس وطغيانها ، فمن أراد أن يأمن الضّرر في دينه اجتنب المحظور وامتنع عن فضول الحلال حذرا أن يجرّه إلى محض الحرام . وحصل من ذلك أنّ التّقوى على قسمين : فرض ونفل ، فالفرض ما تقدّم من أنّها تنزيه القلب عن شرّ لم يسبق عنك مثله لقوّة العزم على تركه حتّى يصير ذلك وقاية بينك وبين كلّ شرّ . والنّفل : ما نهى عنه نهى تأديب ، وهو فضول الحلال « 2 » ، فالمباحات المأخوذات بالشّبهات ؛ فالأولى يلزم بتركها عذاب النار ، والثّانية خير وأدب يلزم بتركها الحبس والحساب ، والتّعيير واللّوم . فمن أتى بالأولى فهو في الدّرجة الأدنى من التّقوى ، ومن أتى بالأخرى فهو في الدّرجة العليا . واعلم أنّ التّقوى كنز عزيز ، إن ظفرت به فكم « 3 » تجد فيه من جوهر شريف وعلق نفيس ، وخير كثير ، ورزق كريم ، وغنم جسيم وملك عظيم . فهي الخصلة الّتى تجمع خير الدّنيا والآخرة . وتأمّل ما في القرآن من ذكرها كم علّق بها من خير ، وكم وعد عليها من ثواب ، وكم أضاف إليها من سعادة ، قال اللّه تعالى : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً « 4 » وقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا
--> ( 1 ) شرة النفس : شدة حرصها وتطلعها إلى رغباتها وهواها . ( 2 ) فضول : جمع فضل والمراد بفضول الحلال : ما يترخص فيه من المباحات فهي مدرجة إلى الدخول في حيز المحظور . ( 3 ) في ب : ( لم ) تصحيف ، وفي ا : كم . ( 4 ) الآية 120 سورة آل عمران .