الفيروز آبادي
258
بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز
الثالث : بمعنى تنزيه القلب عن الذّنوب ، وهذه هي الحقيقة في التّقوى دون الأوّلين ، ألا ترى إلى قوله تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ « 1 » ، ذكر الطّاعة والخشية ثمّ ذكر التّقوى ، فعلمت بهذا أنّ حقيقة التقوى بمعنى غير الطاعة والخشية ، وهي تنزيه القلب عمّا ذكرناه . ومنازل « 2 » التقوى ثلاثة على ما ذكره الشيوخ الجلّة : تقوى عن الشّرك ؛ وتقوى عن البدعة ؛ وتقوى عن المعاصي الفرعيّة . وقد ذكرها اللّه سبحانه في آية واحدة وهي قوله عزّ وجلّ : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ « 3 » ، التّقوى الأولى تقوى عن الشّرك ، والإيمان في مقابلة التوحيد ؛ والتّقوى الثانية عن البدعة ، والإيمان المذكور معها إقرار السنّة والجماعة ؛ والتّقوى الثالثة عن المعاصي الفرعيّة ، والإقرار في هذه المنزلة قابلها بالإحسان وهو الطّاعة والاستقامة عليها . قال الغزالي : ووجدت التّقوى بمعنى اجتناب فضول الحلال ، وهو ما في الخبر المشهور عن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : « إنّما سمّى المتّقون متقين لتركهم ما لا بأس حذرا عمّا به بأس » فأحببت أن أجمع بين ما قاله علماؤنا وبين ما في الخبر النّبوىّ فيكون حدّا جامعا ، ومعنى بالغا فأقول : التّقوى اجتناب ما تخاف ضررا في دينك وذلك
--> ( 1 ) الآية 52 سورة النور . ( 2 ) منازل التقوى : مراتبها ومواضعها . ( 3 ) الآية 93 سورة المائدة .