الفيروز آبادي
54
بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز
من هيبة الجبّار ، فصار ماء سيّالا ، ثمّ سلّط نارا على الماء ، فعلا الماء وعلاه زبد ، وارتفع منه دخان ، فخلق اللّه السّماوات من الدّخان ، والأرض من الزّبد ، وكانت السّماوات والأرضون متراكمة ، ففتقهما اللّه تعالى ، ووضع بينهما الهواء . فذلك قوله تعالى : ( كانَتا « 1 » رَتْقاً فَفَتَقْناهُما ) قال الشاعر : منها خلقنا وكانت أمّنا خلقت * ونحن أبناؤها لو أننا شكر هي القرار فما نبغي به بدلا * ما أرحم الأرض إلّا أننا كفر وسئل بعضهم ، وقيل : إنّ ابن آدم يعلم أنّ الدّنيا ليست بدار قرار ، فلم يطمئنّ إليها ؟ فقال : لأنّه منها خلق ، فهي أمّه ، وفيها ولد فهي مهده ، وفيها نشأ فهي عشّه ، وفيها رزق فهي عيشه ، وإليها يعود فهي كفاته « 2 » ، وهي ممرّ الصّالحين إلى الجنّة . وذكر الأرض في القرآن على أربعة عشر وجها . الأوّل : بمعنى الجنّة : ( أَنَّ الْأَرْضَ « 3 » يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ) . الثاني : بمعنى أرض الشّأم وبيت المقدس : ( كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ « 4 » مَشارِقَ الْأَرْضِ ) يعنى أرض الشام . الثالث : بمعنى المدينة النبويّة : ( أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ « 5 » واسِعَةً ) ( إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ « 6 » فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) ( يَجِدْ فِي الْأَرْضِ « 7 » مُراغَماً كَثِيراً ) .
--> ( 1 ) الآية 30 سورة الأنبياء ( 2 ) الكفات : الموضع يكفت فيه الشئ أي يضم ، والأرض كفات للناس : تضمهم . ( 3 ) الآية 105 سورة الأنبياء ( 4 ) الآية 137 سورة الأعراف ( 5 ) الآية 97 سورة النساء ( 6 ) الآية 56 سورة العنكبوت ( 7 ) الآية 100 سورة النساء