الفيروز آبادي
465
بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز
( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) « 1 » إن قيل : حكمه تعالى حسن لمن يوقن ولمن لا يوقن فلم خصّ ؟ قيل : القصد إلى ظهور حسنه والاطّلاع عليه ؛ وذلك يظهر لمن تزكّى واطّلع على حكمة اللّه تعالى ، دون الجهلة . والإحسان يقال على وجهين : أحدهما الإنعام على الغير ، وقد أحسن إلى فلان . والثّانى إحسان في فعله . وذلك إذا علم علما حسنا ، أو عمل عملا حسنا . وعلى هذا قول أمير المؤمنين علىّ رضى اللّه عنه : « النّاس أبناء ما يحسنون » أي منسوبون إلى ما يعملونه « 2 » من الأفعال الحسنة . والإحسان أعمّ « 3 » من الإنعام . وقوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ) « 4 » فالإحسان فوق « 5 » العدل . وذلك أنّ العدل هو أن يعطى ما عليه ويأخذ ما له ، والإحسان أن يعطى أكثر ممّا عليه ويأخذ أقلّ ممّا له . فالإحسان زائد عليه . فتحرّى العدل واجب ، وتحرى الإحسان ندب وتطوع ، ولذلك عظم اللّه ثواب أهل الإحسان ، قال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) « 6 » . والإحسان من أفضل منازل العبوديّة ؛ لأنه لبّ الإيمان وروحه وكماله . وجميع المنازل منطوية فيها . قال تعالى : ( هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ) « 7 » وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « الإحسان « 8 » أن تعبد اللّه كأنّك تراه »
--> ( 1 ) الآية 50 سورة المائدة . ( 2 ) ا ، وهامش ب : « يعلمونه » وفي الراغب : « يعلمون ويعملون » . ( 3 ) وذلك أن الانعام خاص باسداء المنفعة إلى الغير ، والاحسان يشمله ويشمل اتمام الافعال وغيرها . ( 4 ) الآية 90 سورة النحل . ( 5 ) في الأصلين : « قول » وما أثبت من الراغب . ( 6 ) الآية 195 سورة البقرة . ( 7 ) الآية 60 سورة الرحمن . ( 8 ) في البخاري في كتاب الايمان وغيره