الفيروز آبادي
466
بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز
وأمّا الآية فقال ابن عباس والمفسّرون : هل جزاء من قال لا إله إلا اللّه وعمل بما جاء به محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم إلّا الجنّة . وقد روى عن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قرأ ( هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ) ثمّ قال : هل تدرون ما قال ربّكم ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال : يقول : هل جزاء من أنعمت عليه بالتّوحيد إلّا الجنّة ؟ ! . فالحديث إشارة إلى كمال الحضور مع اللّه تعالى ومراقبته ، الجامع لخشيته ومحبّته ومعرفته والإنابة إليه والإخلاص له ولجميع مقامات الإيمان . والإحسان يكون في القصد بتنقيته من شوائب الحظوظ ، وتقويته بعزم لا يصحبه فتور ، وبتصفيته من الأكدار الدالّة على كدر قصده ويكون الإحسان في الأحوال بمراعاتها وصونها غيرة عليها أن تحول ، فإنّها تمرّ مرّ السّحاب ، فإن لم يرع حقوقها حالت . ومراعاتها بدوام الوفاء ، وتجنّب الجفاء ، وبإكرام نزلها « 1 » ؛ فإنّه ضيف ، والضّيف إن لم يكن له نزل ارتحل . ويراعيها بسترها عن النّاس ما أمكن لئلّا يعلموا بها إلّا لحاجة أو مصلحة راجحة ، فإن في إظهارها بدون ذلك آفات . وإظهار الحال عند الصادقين من حظوظ النفس والشيطان ، وأهل الصّدق أكتم وأستر لها من أرباب الكنوز لأموالهم ، حتى إنّ منهم من يظهر أضدادها كأصحاب « 2 » الملامة . ويكون الإحسان في الوقت ، وهو ألّا يفارق حال الشّهود ، وهذا إنّما يقدر
--> ( 1 ) هو ما يهيأ للضيف من الطعام . ( 2 ) هم فرقة من الصوفية يرون من الاخلاص الا يظهروا أحوالهم الكريمة ، وأن يتعرضوا للوم الناس لهم في سلوكهم ، افراطا في البعد عن الرياء . ويسمون : الملامتية .