الفيروز آبادي
417
بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز
ومنه حبّ « 1 » الماء للوعاء الّذى يحفظ فيه ويمسكه . وفيه معنى الثّبوت أيضا . ولا ريب أنّ هذه الخمسة من لوازم المحبّة ، فإنّها صفاء المودّة وهيجان إرادة القلب وعلوّها وظهورها منه لتعلّقها بالمحبوب المراد وثبوت إرادة القلب للمحبوب ولزومها لزوما لا تفارق ، ولإعطاء المحبّ محبوبه لبّه وأشرف ما عنده وهو قلبه ، ولاجتماع عزماته وإراداته وهمومه على محبوبه . فاجتمعت فيها المعاني الخمسة . ووضعوا لمعناها حرفين مناسبين للشّيء غاية المناسبة : الحاء الّتى من أقصى الحلق والباء للشفة الّتى هي نهايته ، فللحاء الابتداء وللباء الانتهاء ، وهذا شأن المحبّة وتعلّقها بالمحبوب ، فإنّ ابتداءها منه وانتهاءها إليه . ويقال في فعله : حببت فلانا بمعنى أصبت حبّة قلبه ، نحو شغفته وكبدته وفأدته ، وأحببت فلانا جعلت قلبي معرّضا لأن « 2 » يحبّه . لكن وضع في التعارف محبوب موضع محبّ واستعمل حببت أيضا في معنى أحببت ، ولم يقولوا محبّ إلّا قليلا قال « 3 » : ولقد نزلت فلا تظني غيره * منى بمنزلة المحبّ المكرم وأعطوا الحبّ حركة الضمّ الّتى هي أشدّ الحركات وأقواها ، مطابقة لشدّة حركة مسمّاه وقوّتها ، وأعطوا الحبّ وهو المحبوب حركة الكسر لخفّتها عن الضمّة ، وذلك لخفّة ذكر المحبوب على قلوبهم وألسنتهم مع إعطائه
--> ( 1 ) في شفاء الغليل أن حب الماء معرب . ( 2 ) في الأصلين : « بأن » وما أثبت عن الراغب . ( 3 ) أي عنترة في معلقته .