الفيروز آبادي
323
بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز
17 - بصيرة في التبتل قال تعالى : ( وَاذْكُرِ اسْمَ « 1 » رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ) والتبتّل : الانقطاع . وهو تفعّل من البتل وهو القطع . وسمّيت مريم البتول لانقطاعها عن الأزواج وعن نظراء زمانها ، ففاقت نساء عالمها شرفا وفضلا . ( تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ) كالتعلّم والتفهّم ، ولكن جاء على التّفعيل مصدر بتّل تبتيلا لسرّ لطيف ؛ فإنّ في هذا الفعل إيذانا بالتدريج ، وفي التفعيل إيذان بالتكثير والمبالغة ، فأتى بالفعل الدّال على أحدهما ، والمصدر الدّالّ على الآخر ، كأنّه قيل : بتّل نفسك إليه تبتيلا ، وتبتّل أنت إليه تبتّلا ، ففهم المعنيان من الفعل ومصدره . وهذا كثير في القرآن ، وهو من أحسن الاختصار والإيجاز . فالتّبتّل : الانقطاع إلى اللّه في العبادة وإخلاص النيّة انقطاعا يختصّ به . وإلى هذا المعنى أشار تعالى ( قُلِ « 2 » اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ ) وليس هذا منافيا لما صحّ عن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم « لا رهبانيّة « 3 » ولا تبتّل في الإسلام » فإنّ التّبتل هاهنا هو الانقطاع عن النكاح ، والرّغبة عنه محظور « 4 » . والتّبتّل يجمع أمرين : اتّصالا وانفصالا لا يصحّ إلّا بهما ، فالانفصال انقطاع قلبه عن حظوظ النّفس المزاحمة لمراد الربّ منه ، وعن التفات قلبه
--> ( 1 ) الآية 8 سورة المزمل ( 2 ) الآية 91 سورة الأنعام ( 3 ) هو بعض حديث رواه عبد الرزاق عن طاوس مرسلا ، كما في الجامع الصغير . ( 4 ) أي أمر محظور . والا قال : محظورة .