الفيروز آبادي

321

بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز

مَحِيصٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) « 1 » . والنّاس ثلاثة : رجل قلبه ميّت ، فذلك الّذى لا قلب له : فهذا ليست هذه الآية تذكرة في حقّه . ورجل حىّ مستعدّ ، لكنّه غير مستمع للآيات المتلوّة ، التي تجزئه عن الآيات المشهودة : إمّا لعدم ورودها « 2 » ، أو لوصولها إليه ، ولكن قلبه مشغول عنها بغيره . فهو غائب القلب ، ليس حاضرا . فهذا أيضا لا يحصل له الذكرى ، مع استعداده ، ووجود قلبه . والثالث رجل حىّ القلب ، مستعدّ ، تليت عليه الآيات ، فأصغى بسمعه ، وألقى السّمع ، وأحضر قلبه ، ولم يشغله بغيره ، فهم ما يسمعه ، فهو شاهد القلب ، ملق للسمع . فهذا القسم هو الّذى ينتفع بالآيات المتلوّة والمشهودة . فالأوّل بمنزلة الأعمى الّذى لا يبصر . والثاني بمنزلة الطّامح بصره إلى غير جهة المنظور إليه . والثالث بمنزلة المبصر الذي فتح بصره الطامح لرؤية المقصود ، وأتبعه بصره ، وقلبه ، على توسّط من البعد والقرب . فهذا هو الّذى يراه . فإن قيل : فما موقع ( أو ) من قوله - تعالى - : ( أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ ) قيل : فيها سرّ لطيف . ولسنا نقول : إنّها بمعنى الواو كما يقول ظاهريّة النحاة . فاعلم أنّ الرّجل قد يكون له قلب وقّاد ، ملئ باستخراج العبر ، واستنباط الحكم . فهذا قلبه يوقعه على التّذكّر ، والاعتبار . فإذا سمع الآيات كانت له نورا على نور . وهؤلاء أكمل خلق اللّه - تعالى - ، وأعظمهم إيمانا ، وبصيرة ؛ حتى كأنّ الّذى أخبرهم به الرّسول قد كان مشاهدا لهم ، لكن لم يشعروا بتفاصيله ، وأنواعه . حتى قيل : إنّ الصّدّيق - رضى اللّه

--> ( 1 ) الآيتان 36 ، 37 سورة ق ( 2 ) أي بلوغها له