الفيروز آبادي

320

بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز

حتى نطقت . قال الشيخ أبو عبد اللّه الأنصارىّ : والتّذكّر فوق التفكّر ؛ لأنّ التفكّر طلب ، والتّذكّر وجود . يعنى أنّ التّفكر التماس الغايات من مبادئها . وقوله : التذكّر وجود ؛ لأنه يكون فيما قد حصل بالتّفكّر ، ثمّ غاب عنه بالنّسيان ، فإذا تذكّره وجده ، وظفر به . واختير له بناء التفعّل ؛ لحصوله بعد مهلة وتدريج ؛ كالتبصّر ، والتفهّم . فمنزلة التذكّر من التفكّر منزلة حصول الشئ المطلوب بعد التفتيش عليه . ولهذا كانت آيات اللّه المتلوّة والمشهودة ذكرى ؛ كما قال في المتلوّة : ( وَلَقَدْ آتَيْنا « 1 » مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ) ، وقال في القرآن : ( وَإِنَّهُ « 2 » لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ) ، وقال في الآية المشهورة : ( أَ فَلَمْ « 3 » يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ . وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ . تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ) فالتّبصرة آية البصر ، والتّذكرة آية القلب . وفرق بينهما . وجعلا لأهل الإنابة ؛ لأنه إذا أناب إلى اللّه أبصر مواقع الآيات والعبر ، فاستدلّ بها على ما هي آيات له ، فزال عنه الاعتراض بالإنابة ، والعمى بالتبصرة ، والغفلة بالتّذكر « 4 » ؛ لأنّ التبصرة توجب له حصول صورة المدلول في القلب ، بعد غفلته عنها . فترتّبت المنازل الثلاثة أحسن ترتيب . ثمّ إنّ كلّا منها يمدّ صاحبها ، ويقوّيه ، ويثمره . وقال - تعالى - في آياته المشهودة : ( وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ

--> ( 1 ) الآيتان 53 ، 54 سورة غافر ( 2 ) الآية 48 سورة الحاقة ( 3 ) الآيات 6 - 8 سورة ق ( 4 ) ب : « بالتذكرة »