الفيروز آبادي
316
بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز
ودون هؤلاء من يتوكّل عليه في معلوم يناله : من رزق ، أو عافية ، أو نصر على عدوّ ، أو زوجة ، أو ولد ، ونحو ذلك . ودون هؤلاء من يتوكّل عليه في حصول ما لا يحبّه اللّه ، ولا يرضاه : من الظّلم ، والعدوان ، وحصول الإثم ، والفواحش . فإنّ أصحاب هذه المطالب لا ينالون غالبا إلّا باستعانتهم ، وتوكّلهم عليه . بل قد يكون توكّلهم أقوى من توكّل كثير من أصحاب الطّاعات . ولهذا يلقون أنفسهم في المهالك ، معتمدين على اللّه - تعالى - أن يشمّهم ، ويظفرهم بمطالبهم . فأفضل التّوكّل في الواجب : أعنى واجب الحقّ ، وواجب الخلق ، وواجب النّفس . وأوسعه وأنفعه التّوكّل في التأثير في الخارج في مصلحة دينه ، أو في دفع مفسدة دينه . وهو توكّل الأنبياء - عليهم الصّلاة والسّلام - في إقامة دين اللّه ، ودفع المفسدين في الأرض . وهذا توكّل ورثتهم . ثمّ النّاس في التوكّل على حسب [ أغراضهم ] . فمن متوكل على اللّه في حصول الملك ، ومتوكّل عليه في حصول ( رغيف « 1 » . ومن صدق توكّله على اللّه في حصول ) شئ ناله . فإن كان محبوبا له مرضيّا كانت له فيه العاقبة المحمودة . وإن كان مسخوطا مبغوضا كان ما حصل له بتوكّله مضرّة . وإن كان مباحا حصلت له مصلحة « 2 » التوكّل ، دون مصلحة ما توكّل فيه ، إن لم يستعن به على طاعة . فإن قلت : ما معنى التوكّل ؟ قلت : قال الإمام أحمد : التوكل : عمل القلب : يعنى ليس بقول ، ولا عمل جارحة ، ولا هو من باب العلوم ،
--> ( 1 ) سقط ما بين القوسين في ا ( 2 ) ا : « بمصلحة » وب : « بمصلحته »