الفيروز آبادي
274
بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز
49 - بصيرة في البلاء « وبلى » قد ورد في القرآن على ثلاثة أوجه : الأوّل : بمعنى النعمة : ( وَلِيُبْلِيَ « 1 » الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً ) أي ولينعم . الثاني : بمعنى الاختبار والامتحان : ( هُنالِكَ ابْتُلِيَ « 2 » الْمُؤْمِنُونَ ) ، ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ « 3 » أَحْسَنُ عَمَلًا ) . الثالث : بمعنى المكروه : ( وَفِي ذلِكُمْ « 4 » بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) أي محنة . والمادّة موضوعة لضدّ الجدّة : بلى الثّوب بلا ، وبلاء : خلق . وقولهم : بلوته : اختبرته ، كأني أخلقته من كثرة اختبارى . وقرئ ( هُنالِكَ « 5 » تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ ) أي تعرف حقيقة ما عملت . وسمّى الغمّ بلاء ؛ من حيث إنّه يبلى الجسم . وسمّى التكليف بلاء ؛ لأنّ التكاليف مشاقّ على الأبدان ، أو لأنّها اختبارات . ولهذا قال تعالى : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ « 6 » حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ ) وقيل : اختبار اللّه تعالى لعباده تارة بالمسارّ ليشكروا ، وتارة بالمضارّ ليصبروا . فصار المنحة والمحنة جميعا بلاء . فالمحنة مقتضية للصّبر ، والمنحة مقتضية للشكر ، والقيام بحقوق الصّبر أيسر من القيام بحقوق الشكر . فصارت المنحة أعظم البلاءين .
--> ( 1 ) الآية 17 سورة الأنفال ( 2 ) الآية 11 سورة الأحزاب ( 3 ) الآية 7 سورة هود ( 4 ) الآية 141 سورة الأعراف ( 5 ) الآية 30 سورة يونس ، والقراءة الأخرى : « تتلوا » وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف ، كما في الاتحاف ( 6 ) الآية 31 سورة محمد