عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
474
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « ثُمَّ جَعَلَ مِنْها » في « ثم » هذه أوجه : أحدها : أنها على بابها من الترتيب بمهلة وذلك أنه يروى أنه تعالى أخرجنا من ظهر آدم كالذّرّ ، ثم خلق حواء بعد « 1 » ذلك بزمان . الثاني : أنها على بابها أيضا ولكن لمدرك آخر وهو أن يعطف بها ما بعدها على ما فهم من الصفة في قوله « واحدة » إذ التقدير من نفس وحّدت أي انفردت ثم جعل منها زوجها « 2 » . الثالث : أنها للترتيب في الإخبار لا في الزمان الوجوديّ كأنه قيل : كان من أمرها قبل ذلك أن جعل منها زوجها « 3 » . ( الرابع « 4 » : أنها للترتيب في الأحوال والرّتب ، قال الزمخشري : فإن قلت : ما وجه قوله : « ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها » ) وما تعطيه « 5 » من التراخي ؟ قلت : هما آيتان من جملة الآيات التي عددها دالا على وحدانيته وقدرته بتشعيب « 6 » هذا الخلق الثابت للحصر من نفس آدم عليه ( الصلاة و ) السلام وخلق حواء « 7 » من قصيراه « 8 » إلا أنّ إحديهما جعلها اللّه عادة مستمرة والأخرى لم تجر بها العادة ولم تخلق أنثى غير حواء من قصيرى رجل فكانت أدخل في كونها آية وأجلب لعجب السامع فعطفها « بثمّ » على الآية الأولى للدلالة على مباينتها فضلا ومزيّة وتراخيها عنها فيما يرجع إلى زيادة كونها آية فهي « 9 » من التراخي في الحال والمنزلة لا من التراخي في الوجود « 10 » . قال ابن الخطيب : إن كلمة « ثمّ » كما تجيء لبيان كون إحدى الواقعتين متأخرة عن الثانية فكذلك تجيء لبيان تأخر أحد المكانين « 11 » عن الآخر كقول القائل : بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب ، وأعطيتك اليوم شيئا ثمّ الّذي أعطيتك أمس أكثر « 12 » . قوله : « وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ » عطف على « خلقكم » . والإنزال يحتمل الحقيقة ، يروى أنه خلقها في الجنة ثم أنزلها . ويحتمل المجاز . وله وجهان :
--> ( 1 ) قاله أبو حيان في البحر 7 / 416 والسمين في الدر المصون 4 / 635 . ( 2 ) السابق وانظر معاني الفراء 2 / 415 . ( 3 ) المرجعين السابقين . ( 4 ) ما بين القوسين سقط من ب بسبب انتقال النظر . ( 5 ) في الكشاف يعطيه بالياء . ( 6 ) وفيه تشعيب . ( 7 ) كذا في الكشاف وفي النسختين حوى قصرا . ( 8 ) القصيرى : أسفل الأضلاع وقيل : هي آخر ضلع في الجنب وقيل : القصرى والقصيرى : الضّلع التي تلي الشاكلة بين الجنب والبطن . انظر : اللسان : « ق ص ر » 3649 . ( 9 ) في الكشاف : فهو . ( 10 ) انظر : الكشاف 3 / 388 . ( 11 ) في الرازي الكلامين . ( 12 ) الرازي 26 / 244 .