عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
358
اللباب في علوم الكتاب
فعلى الأول يفيد الحصر ومعناه أنهم هم الصافون في مواقف العبودية لا غيرهم وذلك يدل على أنّ طاعات البشر بالنسبة إلى طاعات الملائكة كالعدم حتى يصحّ هذا الحصر « 1 » . قال ابن الخطيب : وكيف يجوز مع هذا الحصر أن يقال : البشر أقرب درجة من الملك فضلا عن أن يقال : هم أفضل منه أم لا ؟ ! « 2 » . قال قتادة : قوله « 3 » : « وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ » هم الملائكة صفّوا أقدامهم ، وقال الكلبي « 4 » : صفوف الملائكة في السماء كصفوف الناس في الأرض . « وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ » أي المصلون المنزهون اللّه عن السوء بخبر جبريل للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - أنهم يعبدون اللّه بالصلاة والتسبيح وأنهم ليسوا بمعبودين كما زعمت الكفار ، ثم أعاد الكلام إلى الإخبار عن المشركين فقال : « وَإِنْ كانُوا » أي وقد كانوا : يعني أهل مكة « ليقولون » لام التأكيد « لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ » أي كتابا من كتب الأولين « لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ » أي لأخلصنا العبادة للّه ولما كذبنا ، ثم جاءهم الذكر الذي هو سيّد الأذكار وهو القرآن ، « فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ » عاقبة هذا الكفر وهذا تهديد عظيم . قوله تعالى : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 171 إلى 182 ] وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ( 171 ) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ( 172 ) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ( 173 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ( 174 ) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ( 175 ) أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ( 176 ) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ ( 177 ) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ( 178 ) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ( 179 ) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 180 ) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ( 181 ) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 182 ) قوله : « وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ » وهي قوله : كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة : 21 ] لما هدد الكفار بقوله : « فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ » أردفه بما يقوي قلب الرسول فقال « وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ » والنّصرة والغلبة قد تكون « 5 » بالحجّة وقد تكون بالدولة والاستيلاء وقد تكون بالدوام والثبات فالمؤمن وإن صار مغلوبا في بعض الأوقات بسبب ضعف أحوال الدنيا فهو الغالب ولا يلزم على هذه الآية أن يقال قد قتل بعض الأنبياء وهزم كثير من المؤمنين « 6 » . قوله : « إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ » تفسير للكلمة فيجوز أن لا يكون لها محلّ من
--> ( 1 و 2 ) الرازي 26 / 171 . ( 3 و 4 ) زاد المسير 7 / 93 والبغوي 6 / 39 . ( 5 ) في الرازي : بقوة الحجة . ( 6 ) قاله الإمام الفخر في : التفسير الكبير 26 / 172 .