عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
341
اللباب في علوم الكتاب
فصل [ في معنى قوله : « وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ لا تَتَّقُونَ . . . » ] قال المفسرون : لما قبض اللّه حزقيل « 1 » - عليه ( الصلاة و ) السلام - عظمت الأحداث في بني إسرائيل وظهر فيهم الفساد والشك وعبدوا الأوثان من دون اللّه - عزّ وجل - فبعث اللّه إليهم إلياس نبيّا ، وكانت الأنبياء من بني إسرائيل ، يبعثون من بعد موسى بتجديد ما نسوا من التوراة وبنو إسرائيل كانوا متفرقين في أرض الشام ، وسبب ذلك أن يوشع بن نون لما فتح الشام بوّأها بني إسرائيل وقسمها بينهم فأحل سبطا منهم ببعلبك ونواحيها وهم السبط الذين كان منهم إلياس فبعثه اللّه إليهم نبيا وعليهم يومئذ ملك يقال له أحب قد أضلّ قومه وأجبرهم على عبادة الأصنام وكان يعبد هو وقومه صنما يقال له بعل وكان طوله عشرين ذراعا وله أربعة أوجه فجعل إلياس يدعوهم إلى اللّه - عزّ وجل - وهم لا يسمعون إلا ما كان من الملك فإنه صدقه وآمن به ثم ذكروا قصة طويلة وذكروا في آخرها أن إلياس رفع إلى السماء وكسناه اللّه الرّيش وقطع عنه لذّة المطعم والمشرب فكان إنسيّا ملكيا أرضيا سمائيا « 2 » ، قال ابن أبي دؤاد « 3 » : إنّ الخضر وإلياس يصومان شهر رمضان ببيت المقدس ويوافيان الموسم في كل عام . وقيل : إنّ إلياس وكّل بالفيافي والخضر وكّل بالعمار . ثمّ قال تعالى : « فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ » أي لمحضرون النار غدا « إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ » من قومه الذين أوتوا بالتوحيد الخالص فإنّهم محضرون « وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ » . قوله : « إِلَّا عِبادَ اللَّهِ » استثناء من فاعل « فكذبوه » وفيه دلالة على أن في قومه من لم يكذبه فلذلك استثنوا ولا يجوز أن يكونوا مستثنين من ضمير « لمحضرون » ؛ لأنه يلزم أن يكونوا مندرجين فيمن كذب لكنهم لم يحضروا لكونهم عباد اللّه المخلصين . وهو بين الفساد . ( و ) لا يقال : هو مستثنى منه استثناء منقطعا ؛ لأنه يصير المعنى لكن عباد اللّه المخلصين من غير هؤلاء لم يحضروا . ولا حاجة إلى هذا بوجه إذ به يفسد نظم الكلام « 4 » . قوله تعالى : « عَلى إِلْياسِينَ » قرأ نافع وابن عامر « إِلْياسِينَ » بإضافة « آل » - بمعنى الأهل - إلى ياسين والباقون بكسر الهمزة وسكون اللام موصولة بياسين « 5 » ؛ كأنه جمع
--> ( 1 ) هو حزقيل بن بودي وهو الذي أصاب قومه الطاعون وحذّرهم من الموت . انظر : معارف ابن قتيبة 51 . ( 2 ) انظر هذه القصة في زاد المسير 7 / 81 . ( 3 ) أبو عبد اللّه أحمد بن أبي دؤاد كان من أصل المعتزلة وأفاضلهم وممن جرد في إظهار المذهب والذب عن أهله والعناية به مات سنة 240 ه . انظر : الفهرست 212 ، وانظر : البغوي 6 / 36 و 37 . ( 4 ) انظر بالمعنى من البحر المحيط 7 / 373 وباللفظ من الدر المصون 4 / 568 . ( 5 ) من القراءة المتواترة . انظرها في السبعة 549 وحجة ابن خالويه 303 ، والنشر 2 / 360 والكشف 2 / 227 .