عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
315
اللباب في علوم الكتاب
فعلى هذا قد خوطبت العرب بما تعرفه ، وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقة ، والثاني أنه من باب التخيل والتمثيل وذلك أنه كل ما يستنكر ويستقبح في الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يره والشياطين وإن كانوا موجودين غير مرئيّين للعرب إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات التخييلية « 1 » كقول امرئ القيس : [ البسيط ] 4216 - أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي * ومسنونة زرق كأنياب أغوال « 2 » ولم ير أنيابها ؛ بل ليست موجودة البتة ، قال ابن الخطيب : وهذا هو الصحيح ؛ وذلك أن الناس لما اعتقدوا في الملائكة كمال الفضل في الصورة والسيرة واعتقدوا في الشياطين نهاية القبح في الصورة والسيرة فكما حسن التشبيه بالملك عند إرادة الكمال والفضيلة في قول النساء : « إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ » فكذلك حسن التشبيه برؤوس الشياطين بالقبح وتشويه الخلقة ، ويؤكد هذا أن العقلاء إذا رأوا شيئا ( شديد « 3 » الاضطراب منكر الصورة قبيح الخلقة قالوا : إنه شيطان وإذا رأوا شيئا ) حسنا قالوا : إنه ملك من الملائكة « 4 » . قال ابن عباس : هم الشياطين بأعيانهم شبهه بها لقبحه . قوله : « فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ » ، والملء حشو الوعاء بما لا يحتمل الزّيادة عليه « 5 » . فإن قيل : كيف يأكلونها مع نهاية خشونتها ونتنها ومرارة طعمها ؟ فالجواب : أن المضطر ربما استروح من الضّرر « 6 » بما يقاربه في الضرر فإذا جوعهم
--> - رؤوس الشياطين ويعنى بها الحيات وأكثر ما ينبت في بلاد بني شبابة . والمعازب الأماكن البعيدة ، والشدوف : الشخوص ومخطوف الحشا ضامره ، وزرم : لا يثبت في مكان ومعناه أنه يرقب شخوص هذه الأشجار يحسبها ناسا وهو في خوف لا يكاد يستقر في مكان وأتى بالبيت حتى يقول : إن رؤوس الشياطين يطلق على ثمر هذا الشجر المسمى بالصوم . وانظر : اللسان : « ص وم » 2530 والبحر 7 / 363 وأمالي القالي 1 / 25 والخصائص 3 / 79 وديوان الهذليين 1 / 194 وانظره هو وما قبله في مجمع البيان 7 / 96 ، وورد في مجمع البيان : المعارم : وهي النقط السوداء في أذن الشاة الضائنة وورد فيه يرقبه . ( 1 ) الكشاف 3 / 343 والبحر 7 / 363 . ( 2 ) من الطويل والمشرفيّ نسبة إلى مشارف الشام كانت تصنع في قراها السيوف والمسنون المحدد المصقول . وشاهده بلاغي حيث شبه تشبيها وهميا وهو غير المدرك بإحدى الحواس الخمس فإن أنياب الغول مما لا يدركه الحس لعدم تحققها . وانظر : دلائل الإعجاز 149 ومعاهد التنصيص 1 / 134 والبحر 7 / 363 وكامل المبرد 3 / 96 وفتح القدير للشوكاني 4 / 398 ومجمع البيان للطبرسي 7 / 697 وديوانه 33 . ( 3 ) ما بين المعقوفين كله ساقط من « ب » وهو في الرازي و « أ » . ( 4 ) الرازي 26 / 142 وانظر بيت امرئ القيس أيضا فيه وفي زاد المسير 7 / 63 واللسان : « غ ول » . ( 5 ) قاله في اللسان : « م ل أ » 4252 . ( 6 ) في الرازي : استروح منه إلى ما يقاربه في الضرر .