عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
316
اللباب في علوم الكتاب
اللّه الجوع الشديد فزعوا إلى إزالة ذلك الجوع بتناول هذا الشيء . أو يقال : إن الزبانية يكرهونهم على الأكل من تلك الشجرة تكميلا « 1 » لعذابهم . قوله : « ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ » قرأ العامة بفتح الشين وهو مصدر على أصله . وقيل : يراد به اسم المفعول « 2 » . ويدل له قراءة شيبان النّحوي « 3 » لشوبا - بالضم « 4 » - . قال الزجاج : المفتوح مصدر ، والمضموم اسم بمعنى المشوب كالنقض بمعنى المنقوض « 5 » ، وعطف « بثمّ » لأحد معينين إما لأنه يؤخر ما يظنونه يرويهم من عطشهم زيادة في عذابهم فلذلك أتى « بثمّ » المقتضية للتراخي ، وإما لأن العادة تقضي « 6 » بتراخي الشرب عن الأكل فعمل على ذلك المنوال وأما ملء البطن فيعقب الأكل فلذلك عطف على ما قبله بالفاء « 7 » . قال الزجاج : الشوب اسم عام في كل ما خلط بغيره « 8 » ، والشّوب الخلط والمزج ، ومنه شاب اللبن يشوبه أي خلطه ومزجه ، والحميم : الماء الحار والمتناهي في الحرارة « 9 » . و « مِنْ حَمِيمٍ » صفة « لشوبا » « 10 » واعلم أن اللّه تعالى وصف شرابهم في القرآن بأشياء منها : وَغَسَّاقاً [ النبأ : 25 ] ومنها : وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [ محمد : 15 ] ومنها المذكور في هذه الآية « 11 » ، ولما ذكر الطعام بتلك الشناعة والكراهة وصف الشراب بما هو أشنع منه وسماه شوبا أي خلطا ومزجا من حميم من ماء حار ، فإذا أكلوا الزّقّوم وشربوا عليه الحميم فيشرب « 12 » الحميم في بطونهم فيصير شوبا له . قوله : « ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ » قال مقاتل : أي بعد أكل الزقوم وشرب الحميم . وهذا يدل على أنهم عند شرب الحميم لم يكونوا في الجحيم وذلك بأن يكون
--> ( 1 ) كذا في الرازي أيضا وفي ب تكيلا وانظر : الرازي 26 / 142 ، 143 . ( 2 ) الدر المصون 4 / 557 . ( 3 ) هو شيبان بن معاوية أبو معاوية النحوي روى عن عاصم وعنه موسى بن هارون مات سنة 164 ه . انظر : الغاية 1 / 329 . ( 4 ) من الشواذ غير المتواترة . انظر : المحتسب 2 / 220 وابن خالويه 128 . ( 5 ) بالمعنى من المعاني له 4 / 307 . ( 6 ) في ب : تقتضي . ( 7 ) انظر : الكشاف للزمخشري 3 / 343 ، والبحر 7 / 363 . ( 8 ) قال : أي الخلط ومزاجا ويقرأ : لشوبا من حميم ، الشوب المصدر ، والشوب الاسم والخلط المخلوط . معاني القرآن وإعرابه 4 / 307 وانظر أيضا المجاز 2 / 170 وغريب القرآن لابن قتيبة 372 واللسان : « ش وب » 2355 . ( 9 ) السابق 1008 . ( 10 ) قاله السمين 4 / 558 . ( 11 ) وهو الشوب من الحميم . ( 12 ) كذا هي هنا في أو في الرازي وفي ب فيشوب أي يشوب الزقوم بالحميم نعوذ باللّه منهما .