عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

285

اللباب في علوم الكتاب

بينهما إنما حصل بتخليق اللّه تعالى وتكوينه فلا بد وأن يعترفوا بأن الإنسان الأول إنما حدث لا من الأبوين فإن اعترفتم به فقد سقط قولكم : إن الإنسان كيف يحدث من غير نطفة ومن غير الأبوين ؟ وأيضا فقد اشتهر عند الجمهور أن آدم مخلوق من طين لازب ومن قدر على خلق الحياة من الطين اللازب كيف يعجز عن إعادة الحياة إلى هذه الذوات ويمكن أن يكون المراد « 1 » بقوله : « إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ » أي كل الناس ووجهه أن الحيوان إنما يتولد من المني ودم الطّمث والمني إنما يتولد من الدّم فالحيوان إنما يتولد من الدم والدم إنما يتولد من الغذاء ، والغذاء إما حيوانيّ وإما نباتيّ ، أما تولد الحيوان الذي صار غذاء فالكلام في كيفية تولده كالكلام في تولد الإنسان فثبت أن الأصل في الأغذية هو النبات والنبات إنما يتولد من امتزاج الأرض بالماء وهو الطين اللازب فظهر أن كل الخلق ( منه ) « 2 » متولّدون من الطّين اللازب وهو قابل للحياة واللّه تعالى قادر عليها . وهذه القابلية والقادرية واجبة البقاء فوجب بقاء هذه الصفة في كل الأوقات . وهذه بيانات ظاهرة « 3 » . قوله تعالى : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 12 إلى 18 ] بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ( 12 ) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ ( 13 ) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ( 14 ) وَقالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ( 15 ) أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 16 ) أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ( 17 ) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ ( 18 ) قوله : « بَلْ عَجِبْتَ » قرأ الأخوان بضم التاء والباقون بفتحها « 4 » ، فالفتح ظاهر وهو ضمير الرسول أو كل من يصح منه ذلك . وأما الضم فعلى صرفه للمخاطب أي قل يا محمد بل عجبت أنا ، أو على إسناده للباري تعالى على ما يليق به « 5 » . وقد تقدم هذا في البقرة « 6 » وما ورد منه في الكتاب والسنة . وعن شريح « 7 » أنه أنكرها وقال : اللّه لا يعجب فبلغت إبراهيم النّخعيّ فقال : إنّ شريحا كان معجبا برأيه قرأها من هو أعلم ( منه ) « 8 » ؛

--> ( 1 ) في ب : من قوله . ( 2 ) زيادة من « أ » لا معنى لها . ( 3 ) وانظر في هذا كله تفسير الرازي 26 / 124 و 125 . ( 4 ) من القراءات المتواترة . وانظر : النشر 2 / 356 والإتحاف 368 ومعاني الفراء 2 / 384 والبحر 7 / 354 والسبعة 647 وإبراز المعاني 664 و 665 وانظر : إعراب النحاس 3 / 413 . ولقد رجح الفراء قراءة الرفع قال : لأنها مروية عن عليّ وابن مسعود ، وهذا كله قد نقله الإمام شهاب الدين السمين في الدر 4 / 541 و 542 . ( 5 ) المرجع السابق . ( 6 ) عند قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [ البقرة : 204 ] . وانظر : اللباب 2 / 235 ب . ( 7 ) هو شريح بن يزيد أبو حيوة الحضرميّ الحمصيّ ، صاحب القراءة الشاذة ومقرىء الشام ، له اختيار في القراءة . توفي سنة 203 ه انظر : غاية النهاية 1 / 325 . ( 8 ) سقط من ب .