عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
252
اللباب في علوم الكتاب
فصل [ في معنى الآية : « أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ . . . » ] في معنى هذا العهد وجوه : أقواها « 1 » ألم أوص إليكم ، واختلفوا في هذا العهد فقيل : هو العهد الذي كان مع آدم في قوله : وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ [ طه : 115 ] وقيل : هو الذي كان مع ذرية آدم حين أخرجهم وقال : ألست بربّكم قالوا بلى ، وقيل : مع كل قوم على لسان رسولهم . وهو الأظهر ، وقوله « لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ » أي لا تطيعوا الشيطان . والطاعة قد تطلق على العبادة ثم قال : « إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ » أي ظاهر العداوة ووجه عداوته أنه لما أكرم اللّه آدم - عليه ( الصلاة و ) السلام - عاداه إبليس . فإن قيل : إذا كان الشيطان عدوا للإنسان فما بال الإنسان يقبل على ما يرضيه من الزّنا والشّرب ويكره ما يسخطه من المجاهدة والعبادة ؟ فالجواب : استعانة الشيطان بأعوان من عند الإنسان وترك استعانة الإنسان باللّه فيستعين بشهوته التي خلقها اللّه فيه لمصالح بقائه وبقاء نوعه ويجعلها سببا لفساد حاله ويدعوه بها إلى مسالك المهالك وكذلك يستعين بغضبه الذي خلقه اللّه فيه لدفع المفاسد عنه ويجعلها سببا لوباله وفساد أحواله وميل الإنسان إلى المعاصي كميل المريض إلى ( المصادر ) « 2 » ، وذلك حيث ينحرف المزاج عن الاعتدال فترى المحموم يريد الماء البارد وهو يزيد من مرضه ومن معدته فاسدة لا يهضم « 3 » القليل من الغذاء يميل إلى الأكل الكثير ولا يشبع بشيء وهو يزيد فساد معدته وصحيح المزاج لا يشتهي إلا ما ينفعه . قوله : « وَأَنِ اعْبُدُونِي » أطيعوني ووحّدوني « هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ » لما منع من عبادة الشيطان بقوله : « وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً » أي خلقا كثيرا « 4 » . قوله : « جبلّا » قرأ نافع وعاصم بكسر الجيم والباء وتشديد اللام ، وأبو عمرو وابن عامر بضمة وسكون « 5 » والباقون بضمتين واللام مخففة في كلتيهما « 6 » . وابن أبي
--> ( 1 ) قال بهذه الوجوه كلها في كتابه التفسير الكبير 26 / 96 وقال ابن الجوزي في زاد المسير بالأول انظر : زاد المسير 7 / 30 وانظر : معالم التنزيل 6 / 13 . ( 2 ) سقطت من ب . ( 3 ) في ب تهضم أي المعدة وهي في الرازي بالياء ومن به فساد المعدة فلا يهضم القليل من الغذاء . ( 4 ) وانظر : الرازي 26 / 96 . ( 5 ) من القراءات السبعية المتواترة هي وما قبلها . انظر النشر لابن الجزري 2 / 355 وحجة ابن خالويه 298 والسبعة 542 والإتحاف 366 وإبراز المعاني 660 والدر المصون 4 / 530 . ( 6 ) إحدى القراءات السبع المتواترة أيضا . انظر : النشر 2 / 355 وحجة ابن خالويه 298 والسبعة 522 والإتحاف 366 والسمين 4 / 530 وذكر القراءات الثلاثة الإمام ابن الجوزي في زاد المسير 7 / 30 .