عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

180

اللباب في علوم الكتاب

فصل « أحصيناه » حفظناه وثبّتناه « فِي إِمامٍ مُبِينٍ » . فقوله « أحصيناه » أبلغ من كتبناه ، لأن من كتب شيئا مفرقا يحتاج إلى جمع عدده « 1 » ، فقال يحصي « 2 » فيه . وإمام جاء جمعا في قوله : يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [ الإسراء : 71 ] أي بأئمتهم « 3 » وحينئذ ف « إمام » إذا كان فردا فهو ككتاب وحجاب ، وإذا كان جمعا فهو كجبال . والمبين هو المظهر للأمور لكونه مظهرا ( للملائكة « 4 » ما ) يفعلون وللناس ما يفعل بهم ، وهو الفارق بين أحوال الخلق فيجعل فريقا في الجنة وفريقا في السعير . وسمي الكتاب إماما ، لأن الملائكة يأتمون به ، ويتبعونه ، وهو اللوح المحفوظ . وهذا بيان لكونه ما قدموا وآثارهم أمرا مكتوبا عليهم لا يبدّل ، فإن القلم جفّ بما هو كائن ، فلما قال « نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا » بين أن قبل ذلك كتابة أخرى ، فإن اللّه تعالى كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا وكذا ثم إذا فعلوا كتب عليهم أنهم فعلوه « 5 » . وقيل : إن ذلك مؤكّد لمعنى قوله : « وَنَكْتُبُ » ؛ لأن من يكتب « 6 » شيئا في أوراق ويرميها قد لا يجدها ، فكأنه لم يكتب فقال : نكتب ونحفظ ذلك في إمام مبين وهو كقوله تعالى : عِلْمُها « 7 » عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى [ طه : 52 ] . وقيل : إنّ ذلك تعميم بعد التخصيص كأنه تعالى يكتب ما قدموا وآثارهم ، وليست الكتابة مقتصرة عليه بل كل شيء محصى في إمام مبين ، وهذا يفيد أن شيئا من الأفعال والأقوال لا يعزب عن ( علم ) « 8 » اللّه ، ولا يفوته وهو قوله تعالى : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [ القمر : 52 - 53 ] يعني ليس ما في الزبر منحصرا فيما فعلوه بل كل شيء مكتوب « 9 » . قوله تعالى : [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 13 إلى 19 ] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ( 13 ) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ( 14 ) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ ( 15 ) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ( 16 ) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 17 ) قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 18 ) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ( 19 ) قوله تعالى : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ تقدم الكلام على نظيره في

--> ( 1 ) قاله أبو عبيدة في المجاز 2 / 159 . ( 2 ) في « ب » نحصي . ( 3 ) في « ب » بأمتهم . ( 4 ) سقط من « ب » . ( 5 ) انظر في هذا تفسير العلامة الرازي 26 / 49 و 50 . ( 6 ) في « ب » كتب بصيغة الماضي . ( 7 ) لفظة « علمها » سقطت من « ب » . ( 8 ) سقط من « ب » . ( 9 ) تفسير الفخر الرازي 26 / 50 .