عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
175
اللباب في علوم الكتاب
يكون موضع إقامة يهلك . فقوله « وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا » إشارة إلى هلاكهم « 1 » فصاروا بمنزلة من يبنى « 2 » عليه الحائط وهو واقف . قوله : « فأغشيناهم » العامة على الغين المعجمة أي غطّينا أبصارهم وهو على حذف مضاف . وابن عباس وعمر بن عبد العزيز ، والحسن ، وابن يعمر ، وأبو رجاء في آخرين بالعين المهملة « 3 » . وهو ضعف البصر . يقال : عشي بصره ، وأعشيته أنا « 4 » . وهذا يحتمل الحقيقة والاستعارة . فصل [ في معنى قوله : « فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ » ] « 5 » قوله : « فأغشيناهم » بحرف الفاء يقتضي أن يكون الإغشاء مرتبا على جعل السد فما وجهه ؟ فيقال من وجهين : أحدهما : أن ذلك بيان لأمور مرتبة ليس بعضها سببا في البعض فكأنه تعالى قال : إنّا جعلنا في أعناقهم أغلالا فلا يبصرون أنفسهم لإقماحهم ، وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فلا يبصرون ما في الآفاق وحينئذ يمكن أن يروا السماء وما على يمينهم وشمالهم فقال بعد هذا كله : جعلنا على أبصارهم غشاوة فلا يبصرون شيئا أصلا . والثاني : أن ذلك بيان لكون السدّ قريبا منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة على أبصارهم ، فإن من جعل من خلفه وقدّامه سدين ملتزقين به بحيث يبقى بينهما ملتزقا بهما يبقى عينه على سطح السد فلا يبصر شيئا ، لأن شرط المرئيّ أن يكون قريبا من العين جدّا . فإن قيل : ذكر السد من بين الأيدي ومن خلف ، ولم يذكر من اليمين والشّمال فما الحكمة فيه ؟ . فالجواب : إن قلنا : إنه إشارة إلى الهداية الفطرية والنظرية فظاهر . وأما على غير ذلك فيقال : إنه حصل العموم بما ذكر والمنع من انتهاج المناهج المستقيمة ، لأنهم إذا قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو جانب الشمال صاروا متوجّهين إلى شيء ، ومولّين « 6 »
--> ( 1 ) في « ب » إهلاكهم . ( 2 ) وفيها : تبنى عليه الحائط . ( 3 ) ذكرها ابن خالويه وقال : إنها قراءة النبي - صلى اللّه عليه وسلم - انظر : مختصر ابن خالويه 124 والمحتسب 2 / 204 ومعاني الفراء 2 / 373 ، وزاد المسير 7 / 8 ومعاني الزجاج 4 / 280 والقرطبي 15 / 10 والكشاف 3 / 316 . ( 4 ) في « أ » أغشى بصره وأغشيته . والتصحيح أعلى من « ب » . ( 5 ) كذا في « ب » ، وفي « أ » قوله بدل فصل . والتصحيح من « ب » . ( 6 ) في « ب » : متولين .