عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
176
اللباب في علوم الكتاب
عن شيء فصار ما إليه توجّههم ما بين أيديهم فجعل اللّه السد هناك فمنعه « 1 » من السلوك فكيفما توجه الكافر يجعل اللّه بين أيديه سدا وأيضا ( فإنّا ) « 2 » لما بينا أن جعل السد سببا لاستتار بصره فكان السد ملتزقا به وهو ملتزق بالسدين ، فلا قدره له على الحركة يمنة ولا يسرة ، فلا حاجة إلى السد عن اليمين وعن الشّمال . وقوله : « فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ » أي لا يبصرون شيئا ، أو لا يبصرون سبيل الحق ؛ لأن الكافر مصدور عن سبيل الهدى « 3 » . قوله : « وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ » تقدم الكلام عليه أول البقرة « 4 » ، بين أن الإنذار « 5 » لا ينفعهم مع ما فعل اللّه بهم من الغلّ والسدّ والإغشاء والإعماء « 6 » بقوله : « أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » أي الإنذار وعدمه سيّان بالنسبة إلى إيمانهم . « إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ » قال من قبل : « لِتُنْذِرَ قَوْماً » وذلك يقتضي الإنذار العام وقال هنا : « إِنَّما تُنْذِرُ » وهو يقتضي التخصيص ، فكيف الجمع بينهما ؟ ! وطريقه من وجوه : الأول : أن قوله : « لتنذر » أي ( كيف ) « 7 » - ما كان سواء كان مفيدا أو لم يكن . وقوله : « إنّما تنذر » أي الإنذار المفيد لا يكون إلا بالنسبة لمن يتبع الذّكر ويخشى . الثاني : ( هو ) « 8 » أنّ اللّه تعالى لما بين أن الإرسال أو الإنزال للإنذار وذكر ( أن ) « 9 » الإنذار وعدمه سيان بالنسبة إلى أهل العناد قال لنبيه : ليس إنذارك غير مفيد من جميع الوجوه ، فأنذر على سبيل العموم وإنما ينذر « 10 » بذلك الإنذار العام « 11 » من يتبع الذكر كأنه يقول : يا محمد أنذر بإنذارك وتتبّع بذكرك . الثالث : أن يقول : لتنذر أولا فإذا أنذرت وبالغت ( وبلغت ) « 12 » ، واستهزأ البعض وتولى واستكبر فبعد ذلك إنما تنذر الّذين اتّبعوك « 13 » . والمراد بالذكر : القرآن لتعريف الذكر بالألف واللام . وقد تقدم ذكر القرآن في قوله تعالى : وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ . وقيل :
--> ( 1 ) وفيها : فيمنعه . ( 2 ) ما بين القوسين سقط من « ب » . ( 3 ) وانظر في هذا كله تفسير العلامة الرازي 26 / 46 ، 47 . ( 4 ) من الآية 6 منها وهي قوله تعالى : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وقد بين هناك أن « سواء » مبتدأ ، وما بعده الخبر وهو جملة في صيغة التأويل بالمفرد أي سواء عليك أو عليهم الإنذار وعدمه . انظر : اللباب 1 / 36 ب . ( 5 ) في « ب » الأنداد . ( 6 ) في « ب » الإغماء . ( 7 ) سقط من « ب » لفظ كيف فقط . ( 8 و 9 ) سقط من « ب » . ( 10 ) في « ب » : لتنذر . ( 11 ) في « أ » العالم . ( 12 ) زيادة للسياق . ( 13 ) في « ب » يتبعوك .