عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
426
اللباب في علوم الكتاب
قوله تعالى : « وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ « 1 » وَأَطَعْنا » الآية . لما ذكر دلائل التوحيد أتبعه بذم قوم اعترفوا بالذنب بألسنتهم ولكنهم لم يقبلوه بقلوبهم . قال مقاتل : نزلت هذه الآية في بشر المنافق وكان قد خاصم يهوديا في أرض ، فقال اليهودي : نتحاكم إلى محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - وقال المنافق : نتحاكم إلى كعب بن الأشرف ، فإن محمدا يحيف علينا ، فأنزل اللّه هذه الآية . وقد مضت قصتها في سورة « النساء » « 2 » . وقال الضحاك : نزلت في المغيرة بن وائل ، كان « 3 » بينه وبين علي بن أبي طالب أرض تقاسماها ، فوقع إلى عليّ ما لا يصيبه الماء إلا بمشقة ، فقال المغيرة : بعني أرضك . فباعها إياه ، وتقابضا . فقيل للمغيرة : أخذت سبخة لا ينالها الماء فقال لعلي : اقبض أرضك ، فإنما اشتريتها إن رضيتها ، ولم أرضها . فقال علي : بل اشتريتها ورضيتها وقبضتها وعرفت حالها ، لا أقبلها منك ، ودعاه إلى أن يخاصمه إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - فقال المغيرة : أما محمد فلا آتيه ولا أحاكم إليه ، فإنه يبغضني ، وأنا « 4 » أخاف أن يحيف علي ، فنزلت الآية . وقال الحسن : نزلت هذه في المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر « 5 » . فصل : [ في معنى قوله : « وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا » ] « 6 » المعنى : « وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا » يعني : المنافقين يقولونه « 7 » ، « ثُمَّ يَتَوَلَّى » « 8 » يعرض عن طاعة اللّه ورسوله « فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ » أي من بعد قولهم : آمنّا ، ويدعو إلى غير حكم اللّه ، ثم قال : « وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ » « 9 » . فإن قيل : إنه تعالى حكى عن كلهم أنهم يقولون : « آمنّا » ثم حكى عن فريق منهم التولي ، فكيف يصح أن يقول في جميعهم : « وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ » مع أن المتولي فريق منهم ؟ فالجواب : أن قوله : « وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ » راجع إلى الذين تولوا لا إلى الجملة
--> ( 1 ) في النسختين : والرسول . وهو تحريف . ( 2 ) عند قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً [ النساء : 60 ] . انظر اللباب 3 / 104 ، وانظر أيضا أسباب النزول للواحدي ( 244 ) . ( 3 ) في ب : وكان . ( 4 ) أنا : سقط من ب . ( 5 ) انظر الفخر الرازي 24 / 20 . ( 6 ) في الأصل : قوله . ( 7 ) في ب : لقوله . ( 8 ) في ب : « ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ » . ( 9 ) انظر البغوي 6 / 133 - 134 .