عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

407

اللباب في علوم الكتاب

وأما ما ذكره من زيادة « كاد » فهو قول أبي بكر « 1 » وغيره ، ولكنه مردود عندهم . وأما ما ذكره من المعنى الثاني ، وهو أنه رآها بعد جهد ، فهو مذهب الفراء « 2 » والمبرد « 3 » . والعجب كيف يعدل عن المعنى الذي أشار إليه الزمخشري ، وهو المبالغة في نفي الرؤية « 4 » . وقال ابن عطية ما معناه : إذا كان الفعل بعد « كاد » منفيّا دلّ على ثبوته ، نحو : « كاد زيد لا يقوم » ، أو مثبتا دلّ على نفيه ، نحو : « كاد زيد يقوم » وتقول : « كاد النّعام « 5 » يطير » « 6 » فهذا يقتضي نفي الطيران عنه ، فإذا قلت : « كاد النعام ألا يطير » وجب الطيران له ، وإذا تقدم النفي على « كاد » احتمل أن يكون موجبا وأن يكون منفيا ، تقول : « المفلوج « 7 » لا يكاد يسكن » فهذا يتضمّن نفي السكون ، وتقول : « رجل منصرف لا يكاد يسكن » فهذا تضمن إيجاب السكون بعد جهد « 8 » . فصل : [ في أن اللّه تعالى بيّن أن أعمال الكفار إن كانت حسنة فمثلها السراب وإن كانت قبيحة فهي الظلمات ] اعلم أن اللّه تعالى بين أنّ أعمال الكفار إن كانت حسنة فمثلها السراب ، وإن كانت قبيحة فهي الظلمات ، وفيه وجه آخر ، وهو أن أعمالهم إما كسراب بقيعة وذلك في الآخرة ، وإما كظلمات في بحر « 9 » وذلك في الدنيا . وقيل : إن الآية الأولى في ذكر أعمالهم ، وأنهم لا يحصلون « 10 » منها على شيء ، والآية الثانية في ذكر عقائدهم ، فإنها تشبه الظلمات ، كما قال : ( « يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ » « 11 » ) « 12 » أي : من الكفر إلى

--> - البيتين . ومراد هذا القول ( كاد ) . ومن زعم هذا ليس بمصيب . بل حكم ( كاد ) حكم سائر الأفعال في أنّ معناها منفي إذا صحبها حرف نفي ، وثابت إذا لم يصحبها ، فإذا قال قائل ( كاد زيد يبكي ) قارب زيد البكاء . المقاربة ثابتة ، ونفس البكاء منتف انتفاء أبعد من انتفائه عند ثبوت المبالغة ) 1 / 466 - 467 . وانظر بقية كلامه في ص 478 - 479 من نفس المرجع . ( 1 ) تقدم . ( 2 ) قال الفراء : ( وقال بعضهم : إنما هو مثل ضربه اللّه ، فهو يراها ولكنه لا يراها إلا بطيئا ، كما تقول : ما كدت أبلغ إليك وأنت قد بلغت ، وهو وجه العربية ) معاني القرآن 2 / 255 . ( 3 ) قال المبرد : ( فأما قول اللّه - عز وجل - « إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها » فمعناه - واللّه أعلم - لم يرها ولم يكد . أي : لم يدن من رؤيتها ) المقتضب 3 / 75 . ( 4 ) انظر الكشاف 3 / 78 . ( 5 ) في ب : النعيم . وهو تحريف . ( 6 ) في مجمع الأمثال ( كاد النعام يطير ) يضرب لقرب الشيء مما يتوقع منه ، لظهور بعض أماراته ) 2 / 162 ، وانظر المقتضب 3 / 74 ، الكامل 1 / 253 . ( 7 ) الفالج : هو داء معروف يرخّي بعض البدن ، والمفلوج صاحب الفالج . اللسان ( فلج ) . ( 8 ) تفسير ابن عطية 10 / 523 - 524 . ( 9 ) في ب : في بحر لجي . ( 10 ) في الأصل : لا يخلصون . ( 11 ) من قوله تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ البقرة : 257 ] . ( 12 ) ما بين القوسين في الأصل : يخرجهم من النور إلى الظلمات . وهو تحريف .